أمّ الحروب السودانية: إنذار لم يُقرأ
15 أبريل 2026
لسنوات طويلة، تعامل السودانيون مع حرب الجنوب كما لو أنها جزء من طبيعة الأشياء؛ حدثٌ دائم لا يستدعي الدهشة ولا يوقظ الضمير. كانت حربًا بعيدة جغرافيًا ونفسيًا، تدور هناك في الأطراف، ولا يصل منها إلى المركز سوى شظايا بشرية: نازحون في هيئة ضعف، أو قادمون يُحتوى وجودهم تحت لافتات تعاطفٍ هشّ أو تضامنٍ ملتبس. لم تكن تلك الحرب، على امتداد عقودها، حدثًا وطنيًا جامعًا بقدر ما كانت هامشًا مؤلمًا جرى التكيّف معه.
لقد انكشفت الحقيقة كاملة.. إنها حرب واحدة، تتغير وجوهها وتبقى جذورها
ثم، توقفت تلك الحرب، وتلتها حروب أخرى هنا وهناك، تأخذ بعض ملامحها مع اتضاح أكثر لصورتها التي تمظهرت أخيرًا في حرب 15 أبريل الدائرة الآن، حيث لم يعد هناك "بعيد" يمكن الاحتماء به.
تتويج أم استمرار؟
مع اندلاع الحرب الأخيرة، طُرح سؤال قديم بصيغة أكثر إلحاحًا: هل ما يجري هو تتويج لسلسلة الحروب، أم أنه الحرب نفسها، الممتدة منذ تمرد توريت في الجنوب؟ بين هذين التفسيرين، تبدو الحقيقة أقرب إلى صيغة ثالثة: هذه الحرب هي البنية العميقة ذاتها، تتبدل أشكالها وتبقى أسبابها. من الجنوب إلى دارفور، ومن جبال النوبة إلى النيل الأزرق، ثم إلى قلب الخرطوم، تتكرر الأنماط: تهميش، عنف، إنكار، ثم انفجار.
تأريخ الفظائع.. الغائب الحاضر
من اللافت أن حرب الجنوب، رغم طولها ودمويتها، لم تُوثّق بما يكفي في الوعي الجمعي السوداني. لا تزال تفاصيلها، دوافعها، ووقائعها الكبرى غائبة عن الإدراك العام. وكأن البلاد عاشت تلك الحرب دون أن تنظر إليها في المرآة. حتى الأدب، الذي يُفترض أن يكون ذاكرة الشعوب، جاء متأخرًا وخافت التأثير. نصوص قليلة حاولت أن تلامس المأساة، لكنها لم تتحول إلى وعي عام.
السؤال، هنا، ما الذي كان يمكن أن يحدث لو تعرف السودانيون مبكرًا على فظاعات تلك الحرب ولامسوا حقيقتها، هل كان يمكن تجنب ما تلاها؟
نسل النار
حين اندلعت حرب دارفور، سُمّيت رسميًا "تمردًا"، كما سُمّيت من قبل حرب الجنوب. المصطلح ذاته، والآلية ذاتها، اختزال المأساة في توصيف أمني، يعفي المركز من مسؤوليته. بدا الأمر وكأن الدولة، بعد أن فقدت الجنوب، احتفظت باللغة نفسها، وأعادت توجيهها نحو غرب البلاد.
هل فطن السودانيون إلى "مأساتهم" بعدما جرى في دارفور؟ هل كان بالإمكان تلافِ الجرح وإيقاف النزيف؟ كلا، وكأن هذه الحرب تدور أيضًا في مكان آخر بعيد تمامًا عن "الناس"، فما يدور "تمرد" في مواجهة "الجيش الرسمى"، بعيدًا في الصحارى والجبال. عشرات الآلاف من القتلى، وملايين النازحين، لم يكونوا كافيين لخلق وعيٍ وطني شامل بخطورة ما يحدث.
في حرب الجنوب وحدها، تشير التقديرات إلى نحو مليوني قتيل، وملايين النازحين الذين تشكلت على أطرافهم مدن كاملة من الألم. وفي دارفور، قُتل مئات الآلاف، واضطر أكثر من مليونين إلى الفرار من قراهم. أما الحرب الراهنة، فقد دفعت ملايين السودانيين إلى النزوح داخل البلاد وخارجها، في واحدة من أكبر موجات النزوح في تاريخ المنطقة.
أمّ الحروب
هنا يبرز السؤال الأكثر إرباكًا: أيّ الحروب هي الأصل؟ هل هي حرب الجنوب، أم الحرب التي وصلت أخيرًا إلى الخرطوم؟
ربما يبدو الجواب متناقضًا. فإن كانت الإجابة أن حرب الخرطوم هي الأم، وما بقية الحروب السابقة إلا نسلها الهالك والمهلك، فكيف يلد المتأخر الأول؟ لكن، وبعد القليل من التمعن سنجد أن الحرب التي وصلت متأخرة هي الأصل. فكل ما جرى في الأطراف كان، في جوهره، انعكاسًا لاختلالات المركز: في السلطة، في توزيع الموارد، في تعريف الهوية، وفي إدارة التنوع.
ضد الطبيعة
إذا نظرنا إلى تاريخ السودان، قد يبدو أن الحرب جزء من طبيعته، تندلع، تخمد، ثم تعود. لكن هذا وهمٌ خطير. الحرب ليست طبيعية؛ إنها انحراف عن الفطرة. وما يبدو تكرارًا عاديُا هو في الحقيقة فشلٌ متكرر في معالجة الأسباب.
لقد عُقدت عشرات مؤتمرات السلام، ووقّعت اتفاقيات، وتدخلت أطراف دولية، لكن النتيجة كانت واحدة وهي عودة العنف. ما الذي يدفع السودانيين إلى تبني هذه "الروح الشريرة"؟ هل السلام مستحيل؟ أم أن جذور الحرب تُترك دائمًا دون مساس.
إيقاف النزيف
قد يقال إن الحروب في السودان تبدأ من الأطراف، وإن المركز مجرد ساحة انعكاس. لكن مراجعة بسيطة للتاريخ تكشف العكس، فـ"كل الطرق تؤدي إلى الخرطوم".. إلى "السلطة" وبنيتها المختلة، حيث تكمن الإجابة.
وإذا أردنا فهم الحرب أكثر، فعلينا تفكيك هذه البنية، وأن نجيب على أسئلة: كيف تُدار الدولة؟ كيف تُوزع السلطة؟ من يُعرّف الهوية؟ ومن يُقصى منها؟ عندها فقط سنرى أن النار التي تشتعل في دارفور أو الجنوب أو النيل الأزرق، إنما تُشعل أولًا في مكان آخر.
الحرب ليست طبيعية؛ إنها انحراف عن الفطرة
إنذار لم يُقرأ
ما جرى في الجنوب كان إنذارًا. وما جرى في دارفور كان إنذارًا آخر. لكن البلاد لم تقرأ الإشارات. ومع كل تجاهل، كانت الدائرة تضيق، حتى وصلت الحرب إلى قلب العاصمة. اليوم، لم يعد ممكنًا النظر إلى الحرب كحدث بعيد، فلم يعد هناك "هامش" يمكن عزله، ولا "مركز" يمكن تحصينه. لقد انكشفت الحقيقة كاملة.. إنها حرب واحدة، تتغير وجوهها وتبقى جذورها. ولكي نوقفها علينا إعادة النظر في المصدر الذي يشعلها. فحين يُعاد بناء المركز على أسس عادلة، يمكن عندها فقط أن تنطفئ كل الحروب.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية
كرة القدم النسائية.. بين فشل التخطيط وغياب المحاسبة
واصل منتخب السودان للسيدات تحت 17 عاماً نتائجه الكارثية في بطولة سيكافا المقامة بتنزانيا
من ليبيا إلى بلفاست.. سودانيو المنافي في مرمى النيران
في بلفاست، تحول الهجوم الذي نفذه لاجئ سوداني من مجرد جريمة جنائية، إلى قضية رأي عام
تفكيك الدعم السريع في السودان.. هل تؤدي التسوية السياسية إلى سلام مستدام؟
ثمة اتجاه متزايد داخل عدد من العواصم الغربية والإقليمية نحو الدفع بتسوية سياسية عاجلة للحرب في السودان. ويُقدّم هذا التوجه بوصفه استجابة إنسانية لكارثة تتسع يومًا بعد يوم، لكن السؤال الذي يظل غائبًا عن كثير من النقاشات يتعلق بنوع السلام الذي يمكن أن ينتج عن تسوية تُعقد في لحظة لم تتغير فيها موازين القوى التي أفرزت الحرب نفسها.
بعد صيام تهديفي.. منتخب السودان للسيدات يهز الشباك لأول مرة في سيكافا
تأتي مشاركة المنتخب السوداني ضمن مساعي الاتحاد السوداني لكرة القدم لتوسيع قاعدة كرة القدم النسائية
مستند الفيفا يفضح المستور.. "الترا سودان" يتحصل على الخطاب الذي قاد إلى أخطر قرار في الكرة السودانية
يكشف المستند، الذي اطلع عليه "الترا سودان" تفاصيل بالغة الحساسية حول ملف دارت بشأنه تساؤلات عديدة خلال الفترة الماضية
خلاف داخل مقهى ينتهي بمأساة.. مقتل شابة سودانية في القاهرة
لقيت شابة سودانية مصرعها إثر اعتداء داخل أحد المقاهي بمنطقة مدينة نصر في العاصمة المصرية القاهرة
المنتخبات العربية في كأس العالم 2026.. من يشجع السوداني؟
طرح الترا سودان سؤالًا على متابعيه: أي المنتخبات العربية تشجع في كأس العالم 2026؟ وكشفت نتائج التصويت، التي شارك فيها أكثر من أربعة آلاف متابع، ما هو أبعد من كرة القدم.