الإسلاميون في السودان.. من الشعارات إلى واقع الانهيار
6 يوليو 2025
لم ينتظر الإسلاميون كثيرًا عقب سقوط نظامهم، فانخرطوا في معارضة السلطة الانتقالية التي ورثت كثيرًا من التحديات على عدة أصعدة؛ أبرزها تعدد الجيوش، والانهيار الاقتصادي، والديون الهائلة التي ظلت تتراكم، وملف العدالة الذي يحتشد بكثير من الجرائم التي كان يحمي مرتكبيها النظام نفسه. ولم يفكّر الإسلاميون جديًّا في مراجعة تجربتهم الطويلة في إدارة الدولة منذ استيلائهم على الحكم عبر انقلاب عسكري في 30 حزيران/يونيو، وحتى سقوط النظام في 11 نيسان/أبريل 2019؛ بل كانت معظم المراجعات هي ما جاء عقب ما عُرف بـ"مفاصلة الإسلاميين" الشهيرة في 1999، أي عقب عشر سنوات فقط من إدارتهم للدولة. فذهب فريقٌ مع عرّاب الحركة الإسلامية ومنظّرهم الأول، الشيخ حسن عبدالله الترابي، الذي زُجّ به في المعتقل، بينما ذهب البقية مع حزب السلطة "المؤتمر الوطني" برئاسة البشير، وقيادة تلاميذ الترابي: علي عثمان محمد طه، غازي صلاح الدين، نافع علي نافع، وآخرون.
لكن الحركة الإسلامية واصلت حكم السودان لعقدين آخرين، لم تشملها المراجعات؛ بل انصبّ التفكير والعمل على العودة إلى السلطة، مهما كانت التبعات.
الحروب والمليشيات
أبرز ما يمكنه وسم تجربة حكم الإسلاميين في السودان هو تعدد المليشيات المسلحة، وتوسّع رقعة الحرب، وإكسابها طابعًا دينيًّا. فمنذ وصولهم إلى السلطة، عمد الإسلاميون إلى إعادة تعريف الحرب المستعرة بجنوب السودان على أنها "جهاد". هذه الحمولة الأيديولوجية الثقيلة دفعت بخيرة شباب السودان إلى المحرقة بدوافع عقدية، رغم أن التمرد كانت لديه مطالب معقولة في بداياته. إلا أن استمرار الحكومات المتعاقبة جعله يطوّر مطالبه حتى وصلت إلى حق تقرير المصير في عهد الإنقاذ.
لم يلبث الإسلاميون كثيرًا في الحكم دون أن يبدأوا حملتهم الانتقامية على خصومهم السياسيين، فشرعوا في حملة انتقامية على الخدمة المدنية والعسكرية تحت قانون أسموه بـ"الصالح العام"
فقد كان برنامج في ساحات الفداء، الذي تنتجه مؤسسة الفداء للإنتاج الإعلامي، وهي إحدى أدوات نظام الإنقاذ التي ابتكرها للحشد والتعبئة لحرب الجنوب، يُقدَّم في تلفزيون السودان، ويزيّن صورة البطولة في المعارك بمدن الجنوب ومناطقه، التي أبرز ما فيها هو انعدام التنمية والفقر. فمن بين الأناشيد الجهادية التي تتغزل في الحور العين وترجو نوالها، وتحث على الجهاد وطلاق الدنيا، كان الشباب الغضّ الإهاب يندفع للحرب ظنًّا منه أنها تقرّبه إلى الله.
وما تغيير سردية الحرب من حربٍ لإقليم لديه مطالب تنموية محددة ويمكن الجلوس لحلها، إلى حرب "جهادية" استمرت لنصف قرن كامل، وانتهت إلى اتفاق سلام أفضى إلى انفصال جنوب السودان بعد أن مُنح سكان الجنوب الحق في تقرير مصيرهم، وصوّتوا للانفصال إلا تعبيرًا عن الطريقة التي أداروا بها البلاد، وحكموا بها العباد. فتوسعت رقعة الحرب، وشملت أقاليم النيل الأزرق، وجنوب كردفان، ودارفور.
المحسوبية والفساد
لم يلبث الإسلاميون كثيرًا في الحكم دون أن يبدأوا حملتهم الانتقامية على خصومهم السياسيين، فشرعوا في حملة انتقامية على الخدمة المدنية والعسكرية تحت قانون أسموه بـ"الصالح العام"، على إثره فصلوا مئات الآلاف من السودانيين في كل مفاصل الدولة، وتم استبدالهم بمنسوبيهم من الحركة الإسلامية، دون وضع اعتبار للمؤهلات والكفاءة. فشهدت الخدمة المدنية تدهورًا مريعًا، وبدأوا حملتهم الجائرة ضد الجيش أيضًا لإغلاق الطريق على انقلاب قادم عليهم، حتى وصلوا إلى مرحلة صنعوا فيها مليشيا الدعم السريع، التي فاقت الجيش عدةً وعددًا وعتادًا، وتحارب الجيش الآن لما يزيد على العامين.
ولم يكتفوا بذلك، بل صنعوا عشرات الأجهزة الأمنية خوفًا من الثورة أو الانقلاب. فشهدنا جهاز الأمن، والأمن الشعبي، و"كتائب الظل"، وهيئة العمليات، وغيرها من التكوينات التي تم تصميمها للحفاظ فقط على نظام الحكم الإسلامي.
استشرى الفساد الذي وجد حاضنة رحيمة له في نظام عطّل كل الهيئات المحاسبية، وغيّر في هياكل الدولة والخدمة المدنية لتتوافق مع شبكات الفساد الهائلة التي ابتلعت الدولة نفسها
استشرى الفساد الذي وجد حاضنة رحيمة له في نظام عطّل كل الهيئات المحاسبية، وغيّر في هياكل الدولة والخدمة المدنية لتتوافق مع شبكات الفساد الهائلة التي ابتلعت الدولة نفسها. ويكفي أن الحركة الإسلامية صنعت تكوينًا موازيًا لكل شيء يتبع لها ويديره منسوبوها، ولم يجتهد المسؤولون في وضع حد لهذه الشبكات؛ فكل العاملين في القطاعات الحساسة هم أبناء التنظيم، الذين استغلوا هذا الأمر فعاثوا فسادًا دون رادع. والأمثلة على ذلك تحتاج إلى أسفار ضخمة. ويكفي أن يكون التعيين الحكومي يتم عبر تزكية من خاصة التنظيم، دون طرح الوظائف العامة للتنافس الشريف على أبناء الوطن، ليحصل على الوظيفة من لديه المؤهلات اللازمة والكفاءة.
في أحد التسريبات التي ظهرت إلى العلن، يتحدث الأمين العام للحركة الإسلامية، علي عثمان محمد طه، إلى مجلس شورى الحركة الإسلامية غاضبًا من محاولة انقلابية قام بها بعض إخوانهم، قائلًا: "لو ديل كانوا شيوعيين ولا بعثيين، كانوا هسِّي بيرسفوا في الأغلال، لو ما أعدمناهم؛ نحن قبل كده أعدمنا 28 ضابطًا من خيرة ضباط القوات المسلحة في يوم واحد، عشان عملوا زي ما عمل ود إبراهيم وفتح الرحيم".
ويكشف هذا الحديث حجم الصراع الذي يدور بينهم كإخوان في الحركة الإسلامية.
في ذات مجلس الشورى، يحكي المخلوع البشير أنه قال للدكتور حسن الترابي، الذي كان يرى ضرورة حل الحركة الإسلامية: "نحن يا شيخ حسن، رؤيتنا إنو الدولة دي ملك للحركة الإسلامية".
مستقبل الحركة الإسلامية في السودان
يبدو مستقبل الحركة الإسلامية في السودان غامضًا؛ فبعد تجربة الانتقال من الدعوة إلى الدولة، سقط الكثير من ورق التوت، وسقطت العديد من الشعارات التي كانوا ينادون بها قبل الوصول إلى الحكم، مثل "الشريعة الإسلامية"، والتي كانوا يهتفون بها في أوقات الديمقراطية القليلة: "شريعة شريعة ولا نموت، الإسلام قبل القوت".
الملايين من السودانيين شاهدوهم يبنون القصور والفيلات الراقية، ويكنزون الأموال والذهب والمزارع الفخمة، وينتقلون من الفقر إلى الثراء
إضافة إلى كثير من الشعارات الأخرى التي أسقطها واقع السلطة، مثل "لا لدنيا قد عملنا، نحن للدين فداء"؛ فالملايين من السودانيين شاهدوهم يبنون القصور والفيلات الراقية، ويكنزون الأموال والذهب والمزارع الفخمة، وينتقلون من الفقر إلى الثراء، متناسين الدعايات التي سقطت، كما سقطت الأخلاق في إطار الممارسة السياسية، التي كان السمت الأساسي لها هو العسف والقوة الأمنية، لا التنافس الشريف.
وهذا يجعل مستقبل الحركة الإسلامية، بعد تجربة الحكم خلال العقود الثلاثة المنصرمة في السودان، لا يتأتى إلا عبر القوة العسكرية مرة أخرى، والتي أتوا عبرها للحكم في 1989. وحتى هذه تتعذر في هذا الوقت من عمر السودان، الذي تهطل على أرضه الثمرات المُرّة لحكم الإسلاميين، من ميليشيات وحركات مسلحة وحروب تقضي على الأخضر واليابس، في بلاد الأنهار والموارد الهائلة والموت المجاني.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية
فارس النور والاستقالة الثانية.. لماذا لا يمكن التعامل معها كحدث استثنائي؟
منذ إعلان فارس النور استقالته من المجلس الرئاسي لتحالف "تأسيس" الذي يهيمن عليه الدعم السريع، ومنصبه حاكمًا
كرة القدم النسائية.. بين فشل التخطيط وغياب المحاسبة
واصل منتخب السودان للسيدات تحت 17 عاماً نتائجه الكارثية في بطولة سيكافا المقامة بتنزانيا
من ليبيا إلى بلفاست.. سودانيو المنافي في مرمى النيران
في بلفاست، تحول الهجوم الذي نفذه لاجئ سوداني من مجرد جريمة جنائية، إلى قضية رأي عام
تفكيك الدعم السريع في السودان.. هل تؤدي التسوية السياسية إلى سلام مستدام؟
ثمة اتجاه متزايد داخل عدد من العواصم الغربية والإقليمية نحو الدفع بتسوية سياسية عاجلة للحرب في السودان. ويُقدّم هذا التوجه بوصفه استجابة إنسانية لكارثة تتسع يومًا بعد يوم، لكن السؤال الذي يظل غائبًا عن كثير من النقاشات يتعلق بنوع السلام الذي يمكن أن ينتج عن تسوية تُعقد في لحظة لم تتغير فيها موازين القوى التي أفرزت الحرب نفسها.
بنظام "البوت".. السودان يوقع مع شركة تركية اتفاقاً لإنشاء "رصيف الغاز"
وقعت هيئة الموانئ البحرية اليوم، بمقرها في مدينة بورتسودان، مذكرة تفاهم مع شركة "أرغاز" التركية
الحكومة السودانية تعلن عن خطة لرفع إنتاج الكهرباء
من جانبه، أكد المدير المكلف للشركة القابضة لكهرباء السودان، محمد أحمد الراجل، أن أعمال الصيانة وإعادة التأهيل تمثل الخطوة الأولى
مصادر لـ"الترا سودان": تراجع حشود "الدعم السريع" صوب مدينة الأبيض
أكدت مصادر محلية تحدثت إلى "الترا سودان" تراجع التحشيد العسكري من قِبل قوات الدعم السريع صوب مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان
انفجار جسم غريب يتسبب في إصابة طالب بولاية النيل الأبيض
كشف مصدر طبي بمستشفى الجزيرة أبا بولاية النيل الأبيض عن إصابة طفل بجروح وحروق في اليدين والبطن والصدر، إثر انفجار جسم غريب