ultracheck
مجتمع

الثلاث العجاف.. كيف اقتاتت كادوقلي في ظل الحصار

5 فبراير 2026
سودانيون يشاهدون التلفاز أمام قطية
(تعبيرية/غيتي)
جوليوس الجيلي
جوليوس الجيلي صحفي من السودان

تقضي زينب عبد الفضيل أكثر من ست ساعات وقوفًا في صف الذرة، لتشتري ملوة ذرة واحدة، وهي الكمية المخصصة للفرد؛ إذ لا يُسمح بشراء أكثر من ملوة واحدة من الذرة المدعومة، التي كانت تُباع بسعر 15 ألف جنيه، أقل من سعرها في السوق، الذي وصل إلى 25 ألف جنيه.

لهذا السبب، يتجمع المئات في سوق كادوقلي ويقفون في صفوف طويلة من أجل الحصول على الذرة المدعومة، وبعد الحصول عليها، فإن من يمتلك 5 آلاف جنيه أخرى يمكنه الذهاب لطحن الذرة، بينما يكتفي آخرون بغليها بعد إضافة اللوبيا، ليصنعوا منها البليلة.

ظلت العمليات العسكرية مستمرة في كادوقلي ومحيطها، وبين الحين والآخر تنقطع الطرق بينها وبين الدلنج بصورة غير مستقرة

هكذا كان حال غالبية سكان ومواطني كادوقلي خلال الثلاث سنوات العجاف؛ إذ انعدمت الذرة بسبب تعطل المشاريع الزراعية، وتوقفت السلع بعد انقطاع الطرق الرئيسية، حتى انتشر الجوع، وأصبح الناس يعتمدون في غذائهم على أوراق الحشائش وصفق النباتات الخريفية، مثل: (نبتة خديجة كورو، وأوراق الكول، وورق اللوبيا، وصفق اللالوب، ونبتة عرق النبي).

وقد كانت كادوقلي من أوائل مدن جنوب كردفان التي وصلت إليها الحرب؛ فالحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 بالخرطوم، وصلت إلى جنوب كردفان في مطلع يونيو من العام نفسه، إذ بدأت بمعارك الأزرق وعبري وكدرنج خلال مايو، ثم وصلت إلى الدلنج مطلع يونيو.

أما كادوقلي فقد شهدت معارك في غربها وجنوبها وشمالها في وقت مبكر، بدأت في 8 يونيو 2023 في حامية الدلوكة، التي سيطرت عليها الحركة الشعبية بعد هجومها عليها، واستمرت حتى وصلت إلى كلولو وأم شعروان.

وفي 9 يونيو 2023، وصل الجيش الشعبي إلى منطقة الحمرا، على بعد 10 كيلومترات جنوب كادوقلي، وحتى 28 يوليو 2023 بلغ عدد المناطق التي سيطرت عليها الحركة الشعبية 18 معسكرًا في جنوب كردفان.

كانت كادوقلي، أصلًا، قبل حرب 15 أبريل، تضم آلاف النازحين على خلفية حرب 2011، المعروفة بحرب "ستة ستة"

أما داخل كادوقلي، ففي صباح الاثنين 14 أغسطس 2023، عند الساعة الحادية عشرة، شن الجيش الشعبي هجومًا على المدينة بالتزامن مع أعياد القوات المسلحة بمناسبة مرور 69 عامًا على تأسيسها، وبدأ الهجوم من الاتجاه الشمالي، وكانت تلك المرة الأولى التي تشهد فيها كادوقلي مواجهات مباشرة وسط المدينة.

ومنذ ذلك الحين، ظلت العمليات العسكرية مستمرة في كادوقلي ومحيطها، وبين الحين والآخر تنقطع الطرق بينها وبين الدلنج بصورة غير مستقرة، حيث تحولت منطقتا الكرقل (25 كيلومترًا شمال كادوقلي) والدشول إلى مناطق سيطرة متناوبة بين الجيش الشعبي والقوات المسلحة، الأمر الذي أدى إلى فتح أو إغلاق الطريق تبعًا لمن يسيطر عليها.

وأدت تلك المعارك إلى نزوح عشرات الآلاف من القرى المحيطة بكادوقلي، مثل: كلولو، والشات، وسرف الضي، وكيقا، والتقاطع. وكانت كادوقلي، أصلًا، قبل حرب 15 أبريل، تضم آلاف النازحين على خلفية حرب 2011، المعروفة بحرب "ستة ستة"، إذ ظلت لسنوات طويلة تستوعب موجات متتالية من الفارين من مناطق النزاع.

وأصبحت المدينة تضم أربعة مراكز إيواء، جميعها تقع في القطاع الشمالي من كادوقلي، وهي: مركز الميناء البري، ومركز الهجرة الدولية، ومركز مزرعة الدواجن، ومركز إيواء استاد مرتا.

حصاد الحصار: أحوال الناس

منذ نوفمبر 2023، ظلت كادوقلي تعاني وضعًا إنسانيًا حرجًا وأزمة اقتصادية خانقة، وتعيش معزولة تمامًا بسبب إغلاق الطريق القومي من قبل قوات الدعم السريع بمدينة الدبيبات، بين مدينتي الأبيض والدلنج. ونتيجة للاشتباكات المتكررة بين الجيش الشعبي والقوات المسلحة في معسكر الكرقل، الواقع بين الدلنج وكادوقلي، توقف خط النقل البديل (الخرسانة - النعام).

أدى عدم استقرار شبكات الإنترنت، خاصة ستارلنك، أحيانًا إلى تعطل عمليات الشراء عبر التطبيقات البنكية

أدى ذلك إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية، كما انعدمت سلع أخرى مثل السكر والملح، واختفى الأرز والعدس، ووصل سعر ملوة البصل إلى 120 ألف جنيه، وملوة الملح إلى 200 ألف جنيه، ورطل الزيت إلى 35 ألف جنيه، والفول السوداني إلى 35 ألف جنيه، وملوة السمسم إلى 100 ألف جنيه، إلى جانب أزمة حادة في السيولة النقدية (الكاش).

ومن جهة أخرى، أدى عدم استقرار شبكات الإنترنت، خاصة ستارلنك، أحيانًا إلى تعطل عمليات الشراء عبر التطبيقات البنكية، ما دفع المواطنين إلى التعامل بنظام المقايضة.

الوضع الصحي

من الناحية الصحية، عانت المدينة أزمة خانقة مع ندرة الدواء وهجرة الكوادر الصحية. ومنذ ديسمبر 2024، انتشرت أمراض سوء التغذية وسط الأطفال، وفي أغسطس 2024 تفشى وباء الكوليرا، وظهرت الحالات الأولى في سجون المدينة، حيث سُجلت ثلاث حالات في السجن المركزي، وحالتان في سجن الأسرة والطفل، دون أي تدخل يُذكر آنذاك.

في الوقت ذاته، لم تكن تتوفر أدوية الأمراض المزمنة مثل الضغط والسكري، كما انعدمت لقاحات الأطفال، وانتهت صلاحية حقن التيتانوس، إلى جانب نقص حاد في المحاليل الوريدية، والشاش، وأدوية التخدير (البنج).

تدهور الوضع أكثر بعد إعلان مفوض العون الإنساني بجنوب كردفان، في 24 أبريل 2025، إيقاف أنشطة نحو 30 منظمة إنسانية

وتدهور الوضع أكثر بعد إعلان مفوض العون الإنساني بجنوب كردفان، في 24 أبريل 2025، إيقاف أنشطة نحو 30 منظمة إنسانية، من بينها منظمات دولية كانت تدعم القطاع الصحي، ما أدى إلى خروج عشرات المراكز الصحية عن الخدمة. وأصبحت تعمل فقط بعض المستشفيات، مثل: مستشفى الشرطة، والسلاح الطبي، والمستشفى التعليمي، ومستشفى الأطفال، والمستشفى المرجعي، مع محدودية الخدمات المتوفرة فيها.

انفراج مؤقت

لم تنفرج الأوضاع قليلًا إلا في 27 أغسطس 2025، حين وصلت شاحنتان تابعتان لليونيسف، تحملان 4200 كرتونة من الأدوية ومكملات التغذية للأطفال المصابين بسوء التغذية.

وكانت تلك المرة الثانية لوصول مساعدات إنسانية إلى كادوقلي، بعد مساعدات أرسلتها منظمة سمارتن بيرس في منتصف 2024.

غير أن الأزمة عادت مجددًا بعد شهرين فقط، بسبب عدم كفاية الكميات، مع تزايد أعداد المصابين ونزوح سكان الريف إلى المدينة.

وفي تقرير صدر في أغسطس الماضي، أكدت اليونيسف أن ولاية جنوب كردفان تضم أكثر من 63 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد، من بينهم أكثر من 10 آلاف طفل مصابون بسوء التغذية الحاد الشديد، وهو الشكل الأكثر فتكًا من سوء التغذية.

وفي الشهر ذاته، أعلنت شبكة أطباء السودان وفاة 46 شخصًا بسبب سوء التغذية خلال شهرين في ولاية جنوب كردفان، معظمهم من النساء والأطفال. وذكرت الشبكة أن أكثر من 18 ألف امرأة حامل ومرضع بحاجة ماسة إلى تغذية إضافية، مشيرة إلى أن مدينتي كادوقلي والدلنج تشهدان تفاقمًا مروعًا في الأزمة الصحية والغذائية، وسط استمرار الحصار المفروض على المدنيين.

يولد كثير من الأطفال بأوزان أقل من 2.5 كيلوغرام، كما أدى إلى ارتفاع وفيات الأطفال حديثي الولادة والنساء أثناء الولادة

ويرجع سبب تفشي سوء التغذية إلى تردي الوضع الغذائي في الصيف الماضي، حيث انعدمت الذرة، الوجبة الأساسية. وأسهم هذا في تفشي حالات نقص الوزن عند الولادة، إذ يولد كثير من الأطفال بأوزان أقل من 2.5 كيلوغرام، كما أدى إلى ارتفاع وفيات الأطفال حديثي الولادة والنساء أثناء الولادة، إضافة إلى تزايد حالات سوء التغذية بمستشفى الأطفال في كادوقلي.

أدت المواجهات العسكرية والقصف المدفعي والاستهداف بالمسيرات من قبل قوات تأسيس، التي تسيطر على أطراف المدينة، إلى نزوح عشرات الآلاف من سكان كادوقلي نحو مناطق سيطرة الحركة الشعبية، بينما اتجه آخرون إلى مدن شرق الولاية أو إلى شمال كردفان.

معركة التقاطع والكويك

في مساء الاثنين 2 فبراير، زادت الفرقة 14 مشاة كادوقلي من تحركاتها شمالًا باتجاه الكويك، بهدف الوصول إلى التقاطع. وبالتزامن، تحرك من الدلنج جنوبًا اللواء 54 ومتحرك الصياد والقوى المشتركة، وتمركزوا في منطقتي الكرقل والدشول.

وفي صباح الثلاثاء، تمكنت القوات من السيطرة على التقاطع وكيقا، بعد تراجع قوات "تأسيس"، وبذلك استعادت القوات المسلحة الطريق القومي، وفكت حصار كادوقلي من الجهة الشمالية وربطتها بمدينة الدلنج.

وفي إفادة لـ"الترا سودان"، قالت الناشطة وعضو غرفة طوارئ كادوقلي، مريم عبدالعظيم، إن فك الحصار يُعد في المقام الأول حفظًا للأرواح، سواء من حيث توفير السلع أو فتح طرق آمنة للخروج من المدينة.

الناشطة وعضو غرفة طوارئ كادوقلي، مريم عبدالعظيم: المدينة عاشت أيامًا وشهورًا صعبة بسبب أزمة الغذاء وندرة السلع

وأضافت أن المدينة عاشت أيامًا وشهورًا صعبة بسبب أزمة الغذاء وندرة السلع، وأن استمرار إغلاق الطرق يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع القليلة التي تصل من الأسواق الحدودية، إلى جانب أزمة السيولة النقدية.

وأشارت إلى أن فك الحصار قد يُمكّن النازحين من العودة إلى منازلهم بدل العيش في أوضاع مأساوية بمراكز الإيواء، لكنها حذرت من أن استمرار القصف قد يدفع المزيد من السكان إلى المغادرة ويمنع الراغبين في العودة، لافتة إلى ازدياد نشاط المسيرات منذ الاثنين 2 فبراير.

ويُذكر أنه يوم أمس، استهدفت طائرة مسيّرة تجمعًا في كادوقلي، وأعلنت شبكة أطباء السودان مقتل شخص واحد وإصابة ثمانية آخرين، إثر استهداف مستشفى السلاح الطبي بطائرة مسيّرة، في ثاني هجوم على مرفق صحي بالمدينة خلال أقل من 48 ساعة.

الكلمات المفتاحية

الأمم المتحدة - اللاجئين - اللاجئات .jpg

توطين لاجئين سودانيين في كندا.. البحث عن الحياة مرة ثانية

يبدو أن السفر إلى كندا والولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي بات يمثل حلم اللاجئين السودانيين الذين توزعوا بين دول الجوار، في ظل شح فرص العمل وارتفاع تكلفة التعليم بمختلف مراحله. ومع ذلك، تصطدم هذه الآمال بالعقبات البيروقراطية، وصعود التيارات اليمينية المعادية لسياسات استقبال المهاجرين في بعض البلدان.


انقطاع المياه والكهرباء في السودان

السودان.. خدمات منهارة تضاعف معاناة المرضى والطلاب والأطفال

أصبح اضطراب خدمات المياه والكهرباء في عدد من مناطق السودان أمرًا مزعجًا للمواطنين، في ظل أوضاع اقتصادية صعبة، ويعد المرضى والطلاب والأطفال من أكثر الفئات تضررًا من تدهور الخدمات الأساسية.


سيارات - السودان.jpg

جمع آلاف المركبات المنهوبة بالخرطوم وقانونيون يحذرون من تجاوز "جبر الضرر"

مع إعلان لجنة حصر وإدارة الحديد الخردة ومخلفات الحرب "فرعية ولاية الخرطوم" عن حصر جميع السيارات المتروكة في الشوارع والأحياء والساحات والمرافق العامة في 38 موقعًا تحت إشراف السلطات المختصة، تصاعدت المخاوف من احتمالية مصادرة هذه المركبات في حال عدم وصول ملاكها إليها خلال المهلة الزمنية المحددة.


طلاب في جامعة الخرطوم.jpg

طلاب جامعة الخرطوم بين قرارات مفاجئة وواقع غير مهيأ.. هل أصبحت العودة عبئاً جديداً؟

في الايام الماضية، وجد طلاب جامعة الخرطوم أنفسهم أمام معادلة صعبة، تتمثل في العودة حضوريًا إلى مباني الجامعة، ولكن دون ضمانات واضحة للسكن، أو استقرار التقويم، أو حتى تكافؤ الفرص بين الكليات.

جانب-من-لقاء-الهلال-والمريخ-أرشيفية.jpg
أخبار

صدام قانوني يلوح في الأفق.. المريخ يفتح ملف لاعبي الهلال المجنسين

فجر نادي المريخ، قبل وصول بعثته إلى السودان قادمة من رواندا، بعد إقامة امتدت قرابة تسعة أشهر للمشاركة في دوري النخبة، واحدًا من أخطر ملفات الموسم، بعدما تقدم بطعون رسمية استهدفت عددًا من كشوفات الأندية، يتقدمها الطعن المرتبط بلاعبي الهلال الأجانب ووضعهم القانوني في ملف التجنيس.

مياه الشرب الخرطوم.jpg
أخبار

أزمة مياه في أحياء بالخرطوم بسبب انقطاع الكهرباء

شكا سكان عدة أحياء في ولاية الخرطوم من أزمة مياه حادة، بسبب برمجة انقطاع التيار الكهربائي لفترات تصل إلى 12 ساعة يوميًا، مما أدى إلى توقف مضخات المياه، واعتماد الأهالي على عربات الكارو لشراء المياه بأسعار مرتفعة.


مسيرة صينية
أخبار

غرفة طوارئ: قصف جوي في كرنوي يوقع قتلى مدنيين ويدمر شاحنات

أكدت غرفة الطوارئ بمحلية كرنوي بولاية شمال دارفور وقوع ضحايا من المدنيين، ونفوق أعداد كبيرة من الماشية، إثر هجوم صاروخي نفذته طائرة مسيرة، اليوم الثلاثاء 12 مايو الجاري، استهدف سوق المدينة ومنطقة "بئر صالح".

الأمم المتحدة - اللاجئين - اللاجئات .jpg
مجتمع

توطين لاجئين سودانيين في كندا.. البحث عن الحياة مرة ثانية

يبدو أن السفر إلى كندا والولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي بات يمثل حلم اللاجئين السودانيين الذين توزعوا بين دول الجوار، في ظل شح فرص العمل وارتفاع تكلفة التعليم بمختلف مراحله. ومع ذلك، تصطدم هذه الآمال بالعقبات البيروقراطية، وصعود التيارات اليمينية المعادية لسياسات استقبال المهاجرين في بعض البلدان.

الأكثر قراءة

1
أخبار

السافنا يهاجم قيادة الدعم السريع: لا قضية لهم والصراع "صراع مصالح"


2
أخبار

غرفة طوارئ: مقتل مواطن أثناء عملية نهب نفذتها قوات الدعم السريع بغرب كردفان


3
أخبار

الجيش السوداني يشن غارات على الضعين والجنينة في دارفور


4
أخبار

مسعد بولس: ناقشنا مع إثيوبيا الجهود الدولية لتسهيل هدنة إنسانية وتحقيق سلام دائم بالسودان


5
اقتصاد

السودان.. زيادة جديدة في التعرفة الجمركية واقتصاديون يحذرون من "الدائرة الجهنمية"