المعارك في شمال كردفان.. ما بين السيطرة والاستنزاف
22 نوفمبر 2025
" تمكنت قواتكم المسلحة اليوم من تحقيق تقدم نوعي في جميع محاور كردفان"، بهذه العبارة المقتضبة افتتح الجيش السوداني بيانه مساء الثامن عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر، معلنًا يومًا جديدًا من القتال في سهول كردفان الواسعة، دون أن يقدم تفاصيل كثيرة عن طبيعة هذا التقدم أو خارطة السيطرة الفعلية على الأرض.
لكن ما أهمله بيان الجيش تولّت القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح سرده بلغة ميدانية أكثر تفصيلًا، متحدثة عن "عملية مباغتة" في محور شمال كردفان، واستعادة مواقع تُعد شرايين إمداد لقوات الدعم السريع، مع سرد دقيق لعدد السيارات القتالية التي تمت السيطرة عليها أو تدميرها، والانهيار الواسع في صفوف خصومهم.
خبير عسكري: أهمية كردفان تنبع من غناها بالموارد الزراعية والحيوانية والبترولية، مما يجعل السيطرة عليها ذات مردود اقتصادي مباشر في تمويل العمليات العسكرية
وفي الضفة الأخرى، قدمت قوات الدعم السريع رواية معاكسة تمامًا. فبينما تحدث الجيش والقوة المشتركة عن تقدم نوعي، أعلنت قوات الدعم السريع عن "هزائم مذلّة" لحلفائهم في مناطق أبو سنون وجبل عيسى والعيارة، وعن مئات القتلى من جانب القوات الحكومية، في مشهد يعكس اتساع الهوة بين الروايات المتصارعة حول من يسيطر، ومن يتراجع، ومن يملك زمام المبادرة في معارك غرب ووسط كردفان.
هذا التباين في الروايات بين الإيجاز والإفصاح والمبالغة يعكس طبيعة المعارك الدائرة في إقليم كردفان، حيث تتبدل السيطرة خلال ساعات، ويتراجع كل طرف ويعود للتقدم من جديد. وبينما يعلن كل طرف انتصاره الخاص، تظل الصورة الميدانية أكثر تعقيدًا مما تظهره البيانات الرسمية.
استنزاف القوة
تبرز معارك كردفان كأحد أكثر المشاهد تعقيدًا في الحرب السودانية المستمرة منذ 15 نيسان/ أبريل 2023، فالمنطقة التي تمتد بين دارفور غربًا والنيل الأبيض والخرطوم شرقًا لا تمثل مجرد مساحة جغرافية فحسب، وإنما محورًا استراتيجيًا تتقاطع عنده المصالح العسكرية والاقتصادية والسياسية.
ويقول الخبير العسكري عمر أرباب في حديثه لـ"الترا سودان" إن أهمية كردفان "تنبع من غناها بالموارد الزراعية والحيوانية والبترولية، مما يجعل السيطرة عليها ذات مردود اقتصادي مباشر في تمويل العمليات العسكرية"، مضيفًا أن موقعها الجغرافي يجعل منها "بوابة لكل الاتجاهات، سواء نحو الخرطوم أو النيل الأبيض أو إقليم دارفور أو حتى الجزيرة، وبالتالي فإن من يسيطر عليها يملك القدرة على تهديد مواقع الطرف الآخر".
ويشير أرباب إلى أن المعركة في كردفان لا تتعلق بالأرض وحدها، بل هي "معركة استنزاف واضحة"، موضحًا أن "كلا الطرفين يحاول إضعاف القوة العسكرية للآخر أكثر من التمسك بالأرض، فالأولوية الآن هي ضرب القوة الصلبة، سواء من حيث العنصر البشري أو العتاد".
وبحسب منصة القدرات العسكرية السودانية المختصة بالتحليل العسكري، فإن تقييم نتائج أي معركة لا يُقاس بالساعات الأولى للاشتباكات مهما بدا حجم التقدم على الأرض، إذ تشدد المنصة على أن العمليات العسكرية تمر بمراحل معقدة تشمل المناورة وتثبيت المكاسب وتأمين الجيوب وتعزيز خطوط الإمداد قبل إعلان السيطرة الكاملة.
دويضيف أرباب أن هذا النهج يجعل "الحفاظ على القوة القتالية أهم من التمسك بالأرض"، مشيرًا إلى أن "طبيعة المناطق المفتوحة والمنبسطة في كردفان تجعل الخسائر البشرية كبيرة، لذا كل طرف يحرص على الحفاظ على قوته حتى لو كان ذلك على حساب الأراضي التي يتم السيطرة عليها".
ويلاحظ المحللون أن الجيش يقوم بفتح جبهات متعددة في وقت واحد، وهو ما يُعرف بـ"شدّ الأطراف"، وهي استراتيجية تُربك قوات الدعم السريع وتمنع اعتمادها على أسلوب الفزع.
في المقابل، يرى الخبير أن "الجانب الإعلامي أصبح جزءً أساسيًا من المعركة"، إذ إن "المعارك الآن بعيدة عن الأنظار، وبالتالي فإن المعلومات التي تصل للناس مصدرها القوات المتقاتلة نفسها، فالكل يبحث عن النصر المعنوي والنصر الإعلامي". لكنه يضيف أن هذا "النصر المعنوي لا يدوم طويلاً، لأن الميدان كفيل بكشف الحقيقة خلال ساعات".
كما يحذر مراقبون من خطورة ما وصفوه بـ"التسريب الإعلامي" حول تحركات القوات المسلحة في البيئات المفتوحة، إذ يفقد عنصر المفاجأة ويُقدّم معلومات مجانية لقوات الدعم السريع.
أما عن السيناريوهات المقبلة، فيتوقع أرباب أن تظل "حالة الكرّ والفرّ هي السائدة" دون تغييرات حاسمة في خريطة السيطرة، لكنه يشير إلى نقطة تحول محتملة: "إذا تمكن الدعم السريع من إسقاط مدينة بابنوسة، فإن ذلك سيُحدث تغييرًا كبيرًا في ميزان المعركة، وسيرفع من قدرته القتالية، لأن القوات المتمركزة هناك يمكن أن تتحرك لدعم قواته في شمال كردفان".
وفي سياق متصل، أعلن مني أركو مناوي السيطرة على جبل أبو سنون، بينما نفت قوات الدعم السريع ذلك. وفي الأثناء، نشر مقاتلون يتبعون الجيش والقوة المشتركة مقطع فيديو من الجبل بتاريخ 19 تشرين الثاني/نوفمبر.
ويُعدّ جبل أبو سنون نقطة استراتيجية محورية، إذ يشكّل خط الوصل لإمدادات قوات الدعم السريع بين بارا والخوي والنهود، ما يجعل السيطرة عليه ذات أهمية عسكرية كبيرة في مسار العمليات بكردفان.
أفق التسوية
على الضفة السياسية من المشهد، وفي الوقت الذي تشهد فيه جبهات كردفان تصعيدًا لافتًا، تبرز تساؤلات حول ما إذا كانت هذه المعارك يمكن أن تُعيد تشكيل ملامح التسوية السياسية في السودان. لكن إبراهيم النجيب، المحلل السياسي والرئيس المكلف للحزب الليبرالي وفي حديثه لـ"الترا سودان"، يرى أن الواقع يمضي في اتجاه مختلف تمامًا.
فبحسب تقديره، المعارك لا تمهّد لتسوية، بل تُستخدم كأداة لتعزيز مواقف التفاوض أو تعطيلها، ويؤكد أن "خط النار" بين الطرفين يشهد صعودًا أو هدوءًا بحسب الإرادة السياسية لكل قيادة، وبحسب ما تحتاجه أو ترفضه من تنازلات قبل أي مسار تفاوضي.
ولا يقتصر الأمر على كردفان وحدها، بحسب النجيب، فالحرب في صورتها الحالية هي حرب سياسية تُدار بالوسائل العسكرية، وكل تحرك ميداني صغيرًا كان أو كبيرًا يأتي في سياق تحسين الشروط قبل أي طاولة حوار محتملة. فالنشاط العسكري، كما يقول، يتحول في نهاية المطاف إلى "أداة لفرض الإرادة السياسية" يتم ترجمتها لاحقًا في ترتيبات سياسية خلال التفاوض.
وبحسب المنظمة الدولية للهجرة، أدت المعارك المتصاعدة في شمال كردفان خلال الأسابيع الأخيرة إلى نزوح ما يقارب 50 ألف شخص، بعد اتساع نطاق القتال واقترابه من المناطق السكنية.
وتشير البيانات الإنسانية إلى أن موجات النزوح تزايدت بشكل حاد مع تدهور الأوضاع الأمنية وانقطاع الخدمات الأساسية، فيما تتجه أعداد كبيرة من الفارين نحو مناطق أكثر أمانًا داخل الولاية أو إلى ولايات مجاورة في ظروف إنسانية صعبة.
وفي سؤال حول مدى واقعية الحديث الآن عن دمج قوات الدعم السريع أو نزع سلاحها، في ظل سيطرتها الواسعة على دارفور ومناطق من كردفان، يتحدث النجيب بوضوح: "لا يبدو ذلك واقعيًا وفق معطيات اللحظة"، ويضيف: "موازين الحرب شديدة التقلّب، وقد يصبح ما هو غير واقعي اليوم ممكنًا غدًا أو بالعكس". لكن الثابت، كما يرى، أن الحديث عن نزع السلاح في هذا التوقيت هو حديث المنتصر، ولا تصدقه حقائق المشهد الراهن.
أما عن فرص الهدنة أو وقف إطلاق النار، فيؤكد أن الأمر سياسي أكثر منه عسكري، فالحرب "بوصفها حربًا أهلية متعددة الدوافع" يمكن أن تتوقف "غدًا" إذا توفرت الإرادة السياسية الصلبة لدى الطرفين، لكن ذلك يرتبط أيضًا بقدرة كل قيادة على تهيئة محيطها الداخلي لقرار من هذا النوع، دون أن تواجه رفضًا أو انقلابًا من مكوناتها الصلبة الداعمة للحرب.
وتضغط المجموعة الرباعية (الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات) لتمرير هدنة إنسانية مؤقتة تُفتح بموجبها ممرات آمنة للمساعدات كخطوة أولى نحو وقف أوسع لإطلاق النار. ورغم الترحيب الدولي المتزايد، تواجه المبادرة عقبات ميدانية وسياسية، إذ تربط القوات المسلحة قبول الهدنة بانسحاب قوات الدعم السريع من المناطق المدنية، بينما تسعى الدبلوماسية الإقليمية لإقناع الطرفين بضرورة التهدئة تحت وطأة الوضع الإنساني المتدهور.
ووفق قراءة النجيب، فإن الحرب اليوم أقرب إلى الاستمرار لسنوات منها إلى التوقف، لأن القادة أنفسهم "لا يستطيعون إيقافها بشروط لينة تراعي المواطن أولاً"، إذ قد يدفعون ثمنًا باهظًا داخل دوائرهم الضيقة إذا فعلوا.
محلل سياسي لـ "الترا سودان": المعارك لا تمهّد لتسوية، بل تُستخدم كأداة لتعزيز مواقف التفاوض أو تعطيلها
وفي السياق، شهد الملف السوداني تحولًا لافتًا بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 خلال منتدى الاستثمار الأميركي–السعودي، حيث أعلن بدء انخراط مباشر في جهود وقف الحرب بدفع من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. ووفق ما قاله ترامب، فإن القيادة السعودية اعتبرت وقف الحرب في السودان “أعظم ما يمكن إنجازه”، ما دفع واشنطن للتحرك خلال ساعات.
ورحّبت الحكومة السودانية بالمبادرة المشتركة، مؤكدة استعدادها للانخراط في مسار سلام “عادل ومنصف”، في إشارة إلى فصل جديد من الضغوط الدولية على الأطراف المتحاربة.
ومع استمرار المعارك واتساع رقعتها في شمال كردفان، تبدو البلاد أمام مشهد معقّد تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع الضغوط الإنسانية والسياسية. وبين تقدّم هنا وتراجع هناك، يظلّ المدنيون الحلقة الأضعف، بينما تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت التطورات الميدانية ستفرض مسارًا جديدًا، أو تعمّق دورة الحرب المفتوحة.
الكلمات المفتاحية

السودان في أسبوع.. أبرز التطورات السياسية والأمنية
بينما انعقد أول اجتماع لمجلس السيادة الانتقالي برئاسة عبد الفتاح البرهان، والوزراء برئاسة كامل إدريس بالخرطوم لأول مرة منذ عامين ونصف، ظلت خلالها العاصمة منطقة حرب تصدى فيها الجيش لهجوم شنته قوات الدعم السريع كانت تستهدف الوصول إلى تحوم أم درمان السبت الماضي.

بعد إحاطة الجنائية الدولية بشأن الفاشر.. هل بات التوقيف وشيكًا بحق قادة الدعم السريع؟
في إحاطة وُصفت بأنها الأكثر حسمًا منذ إحالة ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية، استخدمت نائب المدعي العام للمحكمة لغة غير مسبوقة أمام مجلس الأمن

هل يدير الجيش المعارك في تخوم الأبيض وهبيلا وفق استراتيجية الاستنزاف؟
للمرة الثانية خلال أقل من أسبوع، تمكن الجيش من شن غارات جوية على قوات الدعم السريع التي حاولت التقدم عبر شمال مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان

مصرع 6 وإصابة أكثر من 10 في انهيار آبار تعدين بجنوب كردفان
لقي 6 معدنين مصرعهم، وأُصيب أكثر من 10 آخرين، اليوم الجمعة 23 يناير 2026، في انهيار آبار للتعدين الأهلي عن الذهب في محلية أبو جبيهة بولاية جنوب كردفان.

الهلال يقتلع نقطة تعادل ثمينة من ماميلودي صن داونز في بريتوريا
تمكن فريق الكرة بنادي الهلال السوداني من العودة بنقطة تعادل ثمينة من خصمه الصعب ماميلودي صن داونز الجنوب إفريقي، في المباراة المقامة ضمن مواجهات الجولة الثالثة في دوري أبطال إفريقيا.

هجرة السودانيين من ليبيا إلى اليونان.. السجن على طرفي البحر الأبيض المتوسط
يغادر المهاجرون السودانيون إلى ليبيا مباشرة أو عبر مصر. بعضهم يعمل لجمع المال للرحلة، وآخرون يعتمدون على مدخرات عائلاتهم، في رحلات اتجار بالبشر بالغة الخطورة

لجنة المعلمين السودانيين تنتقد ربط زيادة الأجور بالموازنة
أبدت لجنة المعلمين السودانيين استغرابها لتصريحات وزير المالية جبريل إبراهيم، بشأن شروع المجلس الأعلى للأجور في ترتيبات زيادة مرتبات العاملين بالدولة

