الهدنة الإنسانية المقترحة.. هل تحقق السلام أم تزيد ضراوة الحرب؟
3 نوفمبر 2025
في الأيام الأولى لحرب 15 نيسان/أبريل، تم إقرار عدة هدن إنسانية بوساطة أميركية–سعودية، تراوحت مدتها بين يومين وثلاثة أيام، لفتح مسارات آمنة لخروج المواطنين من مناطق الاشتباكات المشتعلة، غير أنها خُرقت في مرات عديدة.
وفي الوقت الراهن، تتكرر الأخبار والتسريبات حول هدنة جديدة مقترحة من قبل الوسيط الأميركي مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية، تشير إلى أنها هدنة إنسانية تمتد لثلاثة أشهر.
باحث سياسي: الهدنة لم تصدر بعد من جهة رسمية، سواء من الوسيط الأميركي أو من الأطراف المتحاربة، ولذلك يُنظر إليها حتى الآن كجزء من الحرب الإعلامية
لكن يبقى السؤال: هل يمكن أن تحقق هذه الهدنة اختراقًا يقود إلى اتفاق سلام دائم ينهي حرب 15 نيسان/أبريل؟ أم ستكون مجرد هدنة تكتيكية يستعد فيها الطرفان عسكريًا لاستئناف القتال بشكل أشد ضراوة؟ وهل ستُحترم هذه الهدنة منذ بدايتها، أم ستتعرض للخروقات كما حدث سابقًا؟
محاولة تنفيس
يقول الكاتب والباحث السياسي محمد المبروك لـ"الترا سودان" إن الهدنة لم تصدر بعد من جهة رسمية، سواء من الوسيط الأميركي أو من الأطراف المتحاربة، ولذلك يُنظر إليها حتى الآن كجزء من الحرب الإعلامية ومحاولة – كما يرى كثير من المراقبين – لامتصاص الغضب العربي والعالمي تجاه الفظائع وجرائم الحرب التي ارتُكبت في الفاشر.
ويضيف المبروك أنه إذا صحّ وجود هدنة بالفعل، فمن المؤكد أن الحكومة السودانية قد وضعت الشروط اللازمة لتنفيذها على أرض الواقع، حتى لا تتكرر تجارب الهدن السابقة التي استغلتها قوات الدعم السريع للتحضير لهجمات جديدة واكتساب أراضٍ إضافية.
ويختم المبروك حديثه قائلًا إن الهدنة مطلوبة من حيث المبدأ، لأنها تمنح المواطنين فرصة لترتيب أوضاعهم، وقد تكون مدخلًا لتحقيق اتفاق سلام دائم ينهي حرب 15 نيسان/أبريل، لكن بشرط أن تُنفّذ وفق الضوابط التي أعلنتها الحكومة السودانية ضمن خارطة الطريق التي طرحتها في القمة العربية الأخيرة ببغداد.
أفق مظلم وقوى انتهازية
من جانبه، يرى الكاتب والصحفي علاء الدين محمود في حديثه لـ"الترا سودان" أن "أي هدنة في هذا الوقت يمكن أن تصب في مصلحة المواطنين من حيث إتاحة الحركة وتوصيل المساعدات"، لكنه يشدد على ضرورة التعامل مع الهدنة بجدية، دون تحايل من أي طرف.
ويضيف محمود أن الطريق إلى السلام الشامل ما زال طويلًا، "لأن أطراف الحرب – الداخلية والخارجية – لا تبدو راغبة في إنهائها"، موضحًا أن استمرار الأزمات والحروب يخدم بقاء القوات المسلحة في واجهة السلطة، فيما لا يمكن لقوات الدعم السريع والقوى السياسية الداعمة لها الوصول إلى الحكم إلا عبر البندقية، لأن الظروف الطبيعية في حالة السلم لن تسمح بذلك.
وأشار إلى أن القوى المدنية تحاول الوصول إلى السلطة من خلال التحالف مع قوات الدعم السريع، وفق تعبيره، في حين تسعى قوى خارجية لاستغلال ثروات البلاد من خلال استمرار الحرب أو تمكين حلفائها من السيطرة.
ويتابع أن "تحالف صمود" الذي يضم القوى السياسية التقليدية يرفع شعار "لا للحرب" كمنطلق أيديولوجي وليس كمسعى حقيقي للسلام، لأن التفاوض هو سبيله الوحيد للوصول إلى السلطة.
ويختم علاء الدين محمود قائلًا: "نحن أمام مشهد معقد تغيب فيه القوى الحقيقية الساعية لإنهاء الحرب، بينما تحضر القوى الانتهازية التي تتكالب على السلطة والثروة، لذلك يبدو الأفق مظلمًا، ولا توجد مؤشرات قريبة لانفراج الأزمة."
أهمية الفاعلين والمجتمع المدني
أما القيادي في تحالف "صمود" ووزير التجارة الأسبق في حكومة حمدوك مدني عباس مدني، فيقول لـ"الترا سودان" إن الهدنة المقترحة تثير تساؤلات جوهرية حول مدى إمكانية نجاحها في إرساء سلام دائم، أم أنها ستتحول إلى "استراحة محارب" كما حدث في تجارب سابقة.
ويشير إلى أن اتفاقيات الهدنة السابقة برعاية المبادرة السعودية–الأميركية لم تحقق أهدافها، بل أعقبها تصاعد في وتيرة العنف واتساع رقعة الصراع.
ويرى مدني عباس أن هناك "تفاؤلًا حذرًا" حيال الهدنة الحالية، موضحًا أن الالتزام بها أمر معقد بسبب تعدد المجموعات المسلحة المساندة للطرفين، إلى جانب غياب الإرادة السياسية الجادة لوقف الحرب.
ويؤكد أن نجاح الهدنة يعتمد بدرجة كبيرة على مواقف دول الرباعية نفسها، وقدرتها على تنسيق رؤاها للوصول إلى موقف موحد، لأن ذلك يمثل خطوة عملية نحو تسوية سياسية شاملة.
ويضيف مدني أن التصور الذي طرحته الرباعية يتضمن مرحلة سياسية لاحقة تقوم على تشكيل حكومة مدنية وإبعاد المؤسسة العسكرية عن السلطة، وهو توجه إيجابي من حيث المبدأ، لكنه يتطلب حذرًا لأن بعض الأطراف قد لا تكون راغبة في إنجاح هذا المسار.
ويختم حديثه بالتأكيد على أهمية دور الفاعلين السياسيين والمجتمع المدني في إعادة تشكيل المشهد العام، معتبرًا أن "استعادة القوى المدنية لزمام المبادرة وتقديم مشروع وطني جامع للسلام والعدالة يمكن أن يحوّل الهدنة إلى بوابة نحو سلام مستدام."
جولة عسكرية حاسمة قادمة
من جهته، يقول المتحدث الرسمي السابق باسم لجان مقاومة شرق النيل جنوب وعضو لجان مقاومة الجريف شرق، د. محمد عبدالرحيم، لـ"الترا سودان" إن الطرفين قد يقبلان بالهدنة المقترحة، لكن ليس بالضرورة من أجل التوصل إلى اتفاق سلام دائم، بل لترتيب أوضاعهما الداخلية استعدادًا لجولة جديدة من الحرب.
مدني عباس مدني: إن الهدنة المقترحة تثير تساؤلات جوهرية حول مدى إمكانية نجاحها في إرساء سلام دائم، أم أنها ستتحول إلى "استراحة محارب" كما حدث في تجارب سابقة.
ويضيف أن قوات الدعم السريع، رغم سيطرتها على مدينة الفاشر وآخر معاقل دارفور، إلا أنها منهكة عسكريًا وسياسيًا بعد تصاعد الانتباه الدولي تجاه الجرائم التي ارتكبتها في المدينة.
ويشير إلى أن القوات المسلحة أيضًا تعاني من الإنهاك العسكري والسياسي بعد سيطرة الدعم السريع على الفاشر، مما أثر على التحالفات الداخلية، خاصة مع القوات المشتركة لحركات دارفور.
ويرى عبدالرحيم أن الطرفين سيستغلان الهدنة لإعادة ترتيب تحالفاتهما الإقليمية والدولية وضمان سلاسل تسليح استعدادًا لمرحلة جديدة من الحرب، يمكن تسميتها بـ"مرحلة كل شيء أو لا شيء".
ويضيف أن قوات الدعم السريع لن تكتفي بالسيطرة على دارفور في ظل غياب الاعتراف الإقليمي والدولي بها، وهو ما يدفع القوات المسلحة إلى إعادة تنظيم صفوفها للتقدم مجددًا في كردفان ودارفور.
ويختم حديثه بالقول إن "الضغط الإعلامي المتزايد على الإمارات – أحد أبرز ممولي المليشيا – سيؤثر على قدرتها على المناورة السياسية، وربما يؤدي إلى انقسامات داخل الرباعية نفسها بشأن تصور الحل في السودان، مما ينذر بجولة عسكرية حاسمة قادمة."
الكلمات المفتاحية

على خط النار: كادوقلي تواجه خطر التحول إلى ساحة حرب
لم تعد كادوقلي تلك المدينة التي ظل الناس من شرقها وغربها يقصدونها كلما اشتدت المعارك البرية؛ فمنذ حرب عام 2011، والتي تُعرف محليًا باسم "ستة ستة"، ظلت كادوقلي ملاذًا للمواطنين الهاربين من ويلات القتال

يونيسفا.. تعرف على بعثة حفظ السلام في منطقة أبيي
أعاد استهداف مقر بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في مدينة كادوقلي بولاية جنوب كردفان، تسليط الضوء على طبيعة ومهام بعثة حفظ السلام الأممية في السودان، المعروفة باسم قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي (يونيسفا)

الخرطوم تستعد لعودة الوزارات.. بين أمل الإعمار وتحديات الواقع
بدأت الوزارات الحكومية والهيئات الاتحادية في العاصمة الإدارية بورتسودان، تستعد للتوجه إلى الخرطوم بعد غياب دام نحو 3 أعوام،

هجليج تحت سيطرة الدعم السريع.. هل سيعود إنتاج النفط؟
في الثامن من ديسمبر، تبدّل ميزان الحرب مرة أخرى بعد إعلان قوات الدعم السريع سيطرتها على منطقة هجليج النفطية بولاية غرب كردفان، أحد أهم المراكز الاستراتيجية في شبكة تدفّق نفط جنوب السودان عبر الأراضي السودانية إلى ميناء بورتسودان. هذا التطور فُهم فورًا كتحول يمس اقتصاد البلدين، لا مجرد تبدّل ميداني.

طقس السودان.. أجواء معتدلة نهارًا وباردة ليلًا في معظم أنحاء البلاد
توقعت الهيئة العامة للأرصاد الجوية السودانية استمرار الأجواء المعتدلة نهارًا والباردة إلى شديدة البرودة ليلًا في معظم أنحاء البلاد خلال الأيام الثلاثة المقبلة.

الأمم المتحدة تقيم مراسم تأبين رسمية في أبيي لضحايا الهجوم على قوة حفظ السلام
أقيم صباح أمس الإثنين، 15 كانون الأول/ديسمبر 2025، حفل تأبين رسمي في مقر بعثة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة "يونيسفا" بمدينة أبيي، لتكريم الجنود الستة الذين قُتلوا في هجوم بطائرات مسيرة على مدينة كادوقلي.

لجنة الإنقاذ الدولية تصنّف السودان الأكثر عرضة لتفاقم الأزمة الإنسانية خلال 2026
صنّفت لجنة الإنقاذ الدولية السودان، للعام الثالث على التوالي، على رأس قائمة الدول الأكثر عرضة لتفاقم الأزمة الإنسانية، في ظل استمرار الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع

الخارجية: البرهان يختتم زيارة ناجحة للسعودية ويبحث تعزيز العلاقات الثنائية
اختتم قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، مساء الاثنين 15 كانون الأول/ديسمبر 2025، زيارة ودية للملكة العربية السعودية، التقى خلالها الأمير محمد بن سلمان ولي عهد المملكة، لمناقشة مسار العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل تعزيزها وتطويرها ضمن شراكة استراتيجية مستدامة عبر مجلس التعاون الاستراتيجي.
