امتحانات الشهادة في السودان.. أزمة معقدة وحلول صعبة
23 مارس 2026
لم تنفصل قضية التعليم في السودان عن الحرب الدائرة منذ ثلاث سنوات بين الجيش وقوات الدعم السريع وحلفائهما المسلحين؛ إذ أصبحت هذه الخدمة، التي تخص قرابة 15 مليون طفل في هذا البلد، ضمن الأجندة السياسية والأمنية المتداولة داخل أروقة الأطراف العسكرية.
وقبل الاسترسال في هذا المقال، لا بد من الإقرار بأن التعليم في السودان تميّز على مر العقود بالجودة مقارنة بدول الإقليم، إلى جانب تطبيق مجانيته إلى حد كبير في جميع أنحاء البلاد.
يُعد إجراء امتحانين للشهادة السودانية خلال هذا العام في مناطق سيطرة الجيش الخيار الأقرب للخروج من الأزمة
ورغم هذه الإشراقات، فإن بقاء ثلاثة ملايين طفل خارج مقاعد الدراسة قبل الحرب، وفقًا لتقديرات اليونيسف، يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى شمولية هذه الخدمة الحيوية؛ إذ تُعد المناطق المتأثرة بالنزاعات المسلحة المزمنة، مثل إقليم دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان، الأكثر حرمانًا من التعليم المستدام، والأقل قدرة على ضمان وصول الأطفال إلى المدارس.
وبينما عطّلت الحرب مكاسب تراكمية في قطاع التعليم الحكومي، فإن الحلول المطروحة من قبل المهتمين والمثقفين والقوى الرافضة للقتال قد تبدو منطقية إذا ما نُفذت بمعزل عن "خطر الانحيازات السياسية".
هناك مساران ينتظران ملايين الأطفال والفتيان في مرحلتي (الأساس والمتوسط) والثانوي:
المسار الأول: يتعلق بمدى قدرة الحكومة السودانية على التعامل مع الأزمة الشاملة. وإن بدأت الحكومة تدريجيًا في امتصاص الأزمة الناتجة عن انقطاع الطلاب عبر استئناف الدراسة في الولايات الخاضعة لسيطرة الجيش (شمال وشرق ووسط البلاد وأجزاء من شمال كردفان)، فإن ضمان وصول الطلاب في مناطق النزاع الأخرى يبدو أمرًا بعيد المنال حاليًا، ما لم تحدث اختراقات تؤدي إلى إبعاد ملف التعليم عن "الأضابير السياسية".
يعتمد هذا المسار على تعزيز شمولية التعليم الحكومي عبر رفع كفاءة الحكومات المحلية، وتحسين وضع المكاتب التعليمية، وزيادة الإنفاق على المعينات المدرسية ورواتب المعلمين. وقد يبدو هذا الحل صعب المنال قياسًا بالوضع الاقتصادي الراهن، لكنه الخيار الوحيد لضمان حق الملايين في التعلم.
المسار الثاني: يتعلق بمعالجة أزمة "الشهادة السودانية"، وهي بوابة العبور إلى الجامعة لنحو أعداد مقدرة من الطلاب والطالبات سنويًا. وتبدو هذه القضية أكثر تعقيدًا، خاصة بعد دخولها مراحل حاسمة مع "الإعلان الأحادي" الذي ابتدرته "حكومة التأسيس" الموالية للدعم السريع، بعقد امتحانات منفصلة للطلاب في مناطق سيطرتها في الثالث من يونيو القادم.
يبلغ عدد الطلاب المتضررين من أزمة الشهادة السودانية حوالي 280 ألف طالب، يقيم أغلبهم في مناطق سيطرة الدعم السريع بدارفور وكردفان، بالإضافة إلى الآلاف في ولايات الجزيرة والنيل الأزرق وسنار.
ورغم المساعي المبذولة من "المبادرة الوطنية"، التي تقودها شخصيات سياسية وأعضاء في المجتمع المدني ومعلمون، لتوحيد الامتحانات على مستوى البلاد، فإن الأزمة تتجه نحو المزيد من التعقيد؛ نظرًا لتمسك الحكومة السودانية بجدولها الزمني في 13 أبريل القادم، مع ضيق الوقت الفاصل.
ويبلغ عدد الطلاب المتضررين من أزمة الشهادة السودانية حوالي 280 ألف طالب، يقيم أغلبهم في مناطق سيطرة الدعم السريع بدارفور وكردفان، بالإضافة إلى الآلاف في ولايات الجزيرة والنيل الأزرق وسنار.
ولإحداث اختراق، يمكن اللجوء إلى حلول نُفذت في بلدان عانت من صراعات مماثلة، عبر تجنب العمل تحت "حكومات موازية" في ملف التعليم، والإبقاء على وحدة الامتحانات تحت إشراف وزارة التربية والتعليم الاتحادية، كما درج السودانيون منذ عشرات السنين.
وثمة تحديات لوجستية وأمنية تواجه هذا المقترح؛ لذا قد يكون من المعقول نقل الطلاب من مناطق سيطرة الدعم السريع إلى الولايات المستقرة أمنيًا. وقد نُفذت تجارب مماثلة، وإن كانت محدودة، لطلاب من إقليم دارفور خلال امتحانات ديسمبر الماضي، بنقل عشرات الطلاب إلى مدينة "كوستي" بولاية النيل الأبيض الخاضعة لسيطرة الجيش.
إن الخيار الأقرب للحل، والذي قد يكون متاحًا إلى حد ما، يكمن في توفير ممرات آمنة لنقل الطلاب من دارفور والنيل الأزرق وأجزاء من كردفان إلى مدن مثل كوستي، الأبيض، عطبرة، وبورتسودان، مقابل ضمانات أمنية صريحة من الجيش والدعم السريع.
وضمن المساعي لتغطية نفقات النقل والإعاشة والرعاية الصحية، يمكن إشراك الاتحاد الأوروبي ووكالات الأمم المتحدة كأطراف مانحة وضامنة للحل. كما تبرز مقترحات بإطلاق صندوق وطني للتبرعات الشعبية والمؤسسية لتمويل تكلفة نقل وإعاشة الطلاب المنتقلين من مناطق العمليات إلى مراكز الامتحانات الآمنة.
في النزاعات المسلحة ذات الطابع المعقد، مثل السودان، يُعد انتزاع جزء كبير من الحل في هذه الأزمة خيارًا أفضل من فقدان الحل نهائيًا
في النزاعات المسلحة ذات الطابع المعقد، مثل السودان، يُعد انتزاع جزء كبير من الحل في هذه الأزمة خيارًا أفضل من فقدان الحل نهائيًا؛ لذا، وفي ظل "حالة التمترس" القائمة داخل الأطراف العسكرية المنخرطة في اتخاذ القرارات المصيرية التي تخص السودانيين، فإن "ترويض" المواقف المتصلبة قد يكون من أفضل الخيارات المتاحة حاليًا.
يتطلب هذا المسار من جانب الحكومة السودانية القيام بالآتي:
- الإعلان عن امتحانات بديلة وملحقة مخصصة للطلاب القادمين من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، مع الإبقاء على الجدول الزمني لعقد الامتحانات في 13 أبريل القادم، حتى لا يتضرر الطلاب/الطالبات الذين استعدوا نفسيًا ومعنويًا وماديًا.
- فتح قنوات اتصال رسمية، وتقديم ضمانات ملزمة بعدم توصيم أو ملاحقة الطلاب القادمين من تلك المناطق أمنيًا.
- إتاحة الفرصة للطلاب المتضررين من الحرب، لا سيما النازحين في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش، للجلوس للامتحانات البديلة.
- التعامل مع الامتحانات بوصفها قضية وطنية تسمو فوق التجاذبات الراهنة، وإظهار المرونة اللازمة للتنسيق المباشر مع الطرف الآخر في القضايا الفنية المتعلقة بمستقبل الطلاب.
المطلوب من قوات الدعم السريع أيضًا:
- التخلي عن فكرة إقامة امتحانات مستقلة في مناطق سيطرتها؛ لكونها تسهم في تبديد مستقبل الطلاب، نظرًا لعدم الاعتراف بها من المؤسسات المحلية والدولية.
- فتح مسارات آمنة تضمن عبور الطلاب بسلاسة إلى مراكز الامتحانات المعتمدة.
القبول بإدارة الأزمة عبر جهات وطنية مستقلة، بالتعاون مع المنظمات الدولية المعتبرة ذات الاختصاص في هذا الشأن.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية
كرة القدم النسائية.. بين فشل التخطيط وغياب المحاسبة
واصل منتخب السودان للسيدات تحت 17 عاماً نتائجه الكارثية في بطولة سيكافا المقامة بتنزانيا
من ليبيا إلى بلفاست.. سودانيو المنافي في مرمى النيران
في بلفاست، تحول الهجوم الذي نفذه لاجئ سوداني من مجرد جريمة جنائية، إلى قضية رأي عام
تفكيك الدعم السريع في السودان.. هل تؤدي التسوية السياسية إلى سلام مستدام؟
ثمة اتجاه متزايد داخل عدد من العواصم الغربية والإقليمية نحو الدفع بتسوية سياسية عاجلة للحرب في السودان. ويُقدّم هذا التوجه بوصفه استجابة إنسانية لكارثة تتسع يومًا بعد يوم، لكن السؤال الذي يظل غائبًا عن كثير من النقاشات يتعلق بنوع السلام الذي يمكن أن ينتج عن تسوية تُعقد في لحظة لم تتغير فيها موازين القوى التي أفرزت الحرب نفسها.
بعد صيام تهديفي.. منتخب السودان للسيدات يهز الشباك لأول مرة في سيكافا
تأتي مشاركة المنتخب السوداني ضمن مساعي الاتحاد السوداني لكرة القدم لتوسيع قاعدة كرة القدم النسائية
مستند الفيفا يفضح المستور.. "الترا سودان" يتحصل على الخطاب الذي قاد إلى أخطر قرار في الكرة السودانية
يكشف المستند، الذي اطلع عليه "الترا سودان" تفاصيل بالغة الحساسية حول ملف دارت بشأنه تساؤلات عديدة خلال الفترة الماضية
خلاف داخل مقهى ينتهي بمأساة.. مقتل شابة سودانية في القاهرة
لقيت شابة سودانية مصرعها إثر اعتداء داخل أحد المقاهي بمنطقة مدينة نصر في العاصمة المصرية القاهرة
المنتخبات العربية في كأس العالم 2026.. من يشجع السوداني؟
طرح الترا سودان سؤالًا على متابعيه: أي المنتخبات العربية تشجع في كأس العالم 2026؟ وكشفت نتائج التصويت، التي شارك فيها أكثر من أربعة آلاف متابع، ما هو أبعد من كرة القدم.