تصريحات ترمب.. نافذة لوقف الحرب أم مجرد ورقة ضغط إقليمية؟
23 نوفمبر 2025
لم يكن السودان حاضرًا في جدول انشغالات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكن لقاءً واحدًا مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان كان كافيًا لقلب المعادلة. فجأة، خرج ترمب أمام قمة الاستثمار السعودية–الأميركية متحدثًا بإعجاب عن “تاريخ السودان وثقافته” ومتعهدًا بالعمل على وقف الحرب، في تحول مفاجئ فتح باب الأسئلة أكثر مما أغلقه. بدا المشهد وكأن السودان يُعاد اكتشافه داخل غرف القرار الأميركي.
هذا الظهور المفاجئ للملف السوداني في خطاب ترمب أعاد ترتيب موازين النفوذ الإقليمي، خصوصًا بعد الإشارة الواضحة إلى دور بن سلمان في دفع واشنطن نحو انخراط مباشر. لكن ما بدا كإنجاز دبلوماسي مهم قد يكون أيضًا لحظة شديدة الحساسية، وسط صراع إرادات بين الرياض وأبوظبي وتنافس على من يمتلك التأثير الأكبر في مسار الحرب ومستقبل السودان. ومع دخول ترمب على الخط، تتجه الأنظار إلى ما إذا كان هذا التحرك سيقود إلى اتفاق فعلي أم سيكون مجرد ورقة ضغط في معادلات أوسع بالمنطقة.
باحث سياسي لـ"الترا سودان": التطور الحقيقي بعد تصريحات ترمب يتمثل في رفع الملف السوداني من مستوى وزراء الخارجية إلى مستوى الرؤساء بعد تدخل ولي العهد السعودي، وهو ما يدفع الدول الإقليمية والدولية للتعامل مع السودان على مستوى القمة
وبينما تتلاحق التحليلات حول مآلات هذا التحول، يبرز سؤال جوهري: هل يقود الانخراط الأميركي–السعودي إلى وقف الحرب فعلًا، أم يضع السودان أمام تسوية فوقية جديدة تُدار من الخارج؟
توازنات دولية
يقول الباحث السياسي مصعب عيسى في حديث لـ"الترا سودان" إن "الجديد في التحركات الأخيرة ليس ظهور مفاوضات جديدة، فالمسار التفاوضي كان قائمًا مسبقًا في جدة 1 وجدة 2 وفي محادثات سرية بواشنطن، لكن التطور الحقيقي يتمثل في رفع الملف السوداني من مستوى وزراء الخارجية إلى مستوى الرؤساء بعد تدخل ولي العهد السعودي، وهو ما يدفع الدول الإقليمية والدولية للتعامل مع السودان على مستوى القمة، بما في ذلك الإمارات ومصر والاتحاد الأفريقي والإيقاد".
ويشير عيسى إلى أن تسلّم البيت الأبيض للملف يمثل نقطة تحوّل، لأن الولايات المتحدة تمتلك ثقلًا سياسيًا ودبلوماسيًا واقتصاديًا يجعل ضغطها مؤثرًا. ويتوقع أن "تركز واشنطن أولًا على وقف إمدادات السلاح، ووقف إطلاق النار، وتوسيع المساعدات الإنسانية، وهي الأهداف الأساسية للرباعية، لكن التحدي الأكبر يكمن في الانتقال من وقف مؤقت لإطلاق النار إلى وقف دائم يمهّد لتفاوض سياسي يعيد السودان إلى مسار الانتقال المدني ويحافظ على وحدة البلاد".
أما السعودية، فيصفها بأنها "فاعل ذو وزن دولي ورمزي، وتدخلها في الملف يأتي أيضًا في سياق تنافسها غير المعلن مع الإمارات التي تدعم الدعم السريع بشكل شبه معلن". ويرى أن "الضغط الحاسم على أبوظبي لن يتحقق إلا عبر واشنطن، التي تربطها علاقات قوية بجميع دول الرباعية، رغم تباين مواقفها بين داعمة للجيش وأخرى للدعم السريع".
ويرى محللون أن الإشادة بولي العهد السعودي تعكس حقيقة أن الرياض باتت مركزية في أي مسار تفاوضي حول السودان، وهو ما يمنح الخرطوم فرصة دبلوماسية نادرة إن أحسنت استثمارها.
ويعتقد عيسى أن "مواقف مصر والإمارات تتحرك ضمن حسابات تتعلق بالإخوان والجيش وطبيعة الدولة في السودان، لكنها قد تتبدل ضمانًا للعلاقة مع واشنطن". وفي المقابل، "يجد البرهان نفسه أمام مفترق طرق: إما الاستمرار مع الإخوان وما يترتب عليه من تبعات، أو الالتزام بشروط المجتمع الدولي وما قد يترتّب عليها من صدام سياسي داخلي".
ويؤكد أن "لكل دول الرباعية مصالح اقتصادية وجيوسياسية في السودان، خصوصًا ما يتعلق بالبحر الأحمر الذي يمثل محور أمنها الإقليمي. وتدخل الإمارات في هذا السياق بحثًا عن نفوذ إقليمي"، لكنه —بحسب عيسى— نفوذ قائم على فائض المال أكثر من القوة الجيوسياسية، ما يجعل الضغط عليها أسهل.
ويشير مراقبون إلى أن دخول ترمب على الخط قد يفتح سباق نفوذ بين السعودية والإمارات، ما يجعل التنسيق مع قطر وتركيا ضرورة لتجنب ضغوط إقليمية عكسية.
ويختم عيسى بأن "شكل التدخل الدولي ليس هو العامل الحاسم، بل قدرة القوى السودانية السياسية والمدنية على التوحد وتقديم رؤية واضحة؛ لأن أي اتفاق يتم بمعزل عن إرادة السودانيين لن يقود إلى حلول مستقرة أو دائمة".
مشاركة السودانيين
من جهته، يرى محمد طاهر، عضو المبادرة السودانية لوقف الحرب وبناء السلام، في حديثه لـ"الترا سودان"، أن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب تمثّل احتمالًا حقيقيًا لزيادة الضغط الدولي نحو وقف الحرب، مؤكدًا أن هذا الأسلوب يتسق مع منهج ترمب السياسي القائم على تحقيق اختراقات سريعة عبر الضغط المباشر دون التعمق في جذور الأزمات أو معالجة أسبابها الأساسية.
وبحسب طاهر، فإن "استجابة أطراف القتال في السودان للضغط الأميركي تبدو مرجحة، طالما أنها جميعًا تسعى للحفاظ على علاقاتها مع واشنطن وعلى موقعها داخل النظام السياسي المتوقع بعد الحرب". لكنه يشدد على أن "هذه اللحظة—رغم أهميتها—لا تشكل حلًا بذاتها، إذ قد تقود إلى وقف إطلاق نار وقد لا تقود، بينما يبقى الدور الحاسم على عاتق الفاعلين المحليين الذين يجب أن يتجهوا للحوار فيما بينهم لبناء حل سوداني شامل".
ناشط سياسي لـ "الترا سودان": تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب تمثّل احتمالًا حقيقيًا لزيادة الضغط الدولي نحو وقف الحرب، مؤكدًا أن هذا الأسلوب يتسق مع منهج ترمب السياسي القائم على تحقيق اختراقات سريعة
ويفرّق طاهر بوضوح بين وقف إطلاق النار الذي يمكن للولايات المتحدة فرضه، وبين إنهاء الحرب نفسها، مؤكدًا أن "واشنطن تستطيع إنجاز الأول، لكنها عاجزة عن تحقيق الثاني، لأن السلام الحقيقي يتطلب رؤية سودانية مشتركة حول مستقبل الدولة، وهو ما لا يمكن أن تنتجه الضغوط الدولية وحدها".
وبحسب موقع “بوليتيكو”، تضغط السعودية على إدارة ترمب لاتخاذ خطوة مباشرة لوقف الدعم الإماراتي للدعم السريع.
ويضيف طاهر أن "المبادرة السعودية–الأميركية الحالية هي في جوهرها مسار فوقي لا يشارك فيه السودانيون بصورة فعلية، وهو ما يتضح منذ اللقاء الأول لمسعد بولس مع البرهان في سويسرا، مرورًا بالاجتماعات اللاحقة وزيارات الوفود إلى واشنطن". فمنذ البداية، "لم تُبدِ الإدارة الأميركية استعدادًا حقيقيًا لإشراك المدنيين أو التشاور معهم، بل ركّزت على التعامل المباشر مع الأطراف العسكرية ومع القوى الإقليمية المؤثرة عليها".
ويرى طاهر أن هذا النهج يحمل مخاطر كبيرة، لأن أي مشروع سلام تُشكّله توافقات إقليمية ودولية—بين السعودية والإمارات ومصر أساسًا—من دون مشاركة حقيقية للقوى السودانية سيكون اتفاقًا غير متوازن. ويحذّر من أن "مثل هذا المسار قد يؤدي إلى نتائج كارثية، من بينها تعزيز النزعات الانفصالية، أو إطالة أمد الحرب، أو تكريس تبعية القرار السوداني للخارج بصورة دائمة".
في المحصلة، تبدو مسارات السلام في السودان محكومة بميزان دقيق بين الضغوط الخارجية وإرادة الفاعلين المحليين. ورغم التباين الكبير في تقييم فرص التسوية، إلا أن ما يجمع الآراء هو أن أي حل حقيقي لا يمكن أن ينجح دون مشاركة السودانيين أنفسهم. وبين مبادرات تتقدم وأخرى تتعثر، ما يزال الانتطار سيد الموقف، فيما يظل السودانيون هم الخاسر الأكبر من هذا الفراغ السياسي الطويل.
الكلمات المفتاحية

السودان في أسبوع.. أبرز التطورات السياسية والأمنية
بينما انعقد أول اجتماع لمجلس السيادة الانتقالي برئاسة عبد الفتاح البرهان، والوزراء برئاسة كامل إدريس بالخرطوم لأول مرة منذ عامين ونصف، ظلت خلالها العاصمة منطقة حرب تصدى فيها الجيش لهجوم شنته قوات الدعم السريع كانت تستهدف الوصول إلى تحوم أم درمان السبت الماضي.

بعد إحاطة الجنائية الدولية بشأن الفاشر.. هل بات التوقيف وشيكًا بحق قادة الدعم السريع؟
في إحاطة وُصفت بأنها الأكثر حسمًا منذ إحالة ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية، استخدمت نائب المدعي العام للمحكمة لغة غير مسبوقة أمام مجلس الأمن

هل يدير الجيش المعارك في تخوم الأبيض وهبيلا وفق استراتيجية الاستنزاف؟
للمرة الثانية خلال أقل من أسبوع، تمكن الجيش من شن غارات جوية على قوات الدعم السريع التي حاولت التقدم عبر شمال مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان

مصرع 6 وإصابة أكثر من 10 في انهيار آبار تعدين بجنوب كردفان
لقي 6 معدنين مصرعهم، وأُصيب أكثر من 10 آخرين، اليوم الجمعة 23 يناير 2026، في انهيار آبار للتعدين الأهلي عن الذهب في محلية أبو جبيهة بولاية جنوب كردفان.

الهلال يقتلع نقطة تعادل ثمينة من ماميلودي صن داونز في بريتوريا
تمكن فريق الكرة بنادي الهلال السوداني من العودة بنقطة تعادل ثمينة من خصمه الصعب ماميلودي صن داونز الجنوب إفريقي، في المباراة المقامة ضمن مواجهات الجولة الثالثة في دوري أبطال إفريقيا.

هجرة السودانيين من ليبيا إلى اليونان.. السجن على طرفي البحر الأبيض المتوسط
يغادر المهاجرون السودانيون إلى ليبيا مباشرة أو عبر مصر. بعضهم يعمل لجمع المال للرحلة، وآخرون يعتمدون على مدخرات عائلاتهم، في رحلات اتجار بالبشر بالغة الخطورة

لجنة المعلمين السودانيين تنتقد ربط زيادة الأجور بالموازنة
أبدت لجنة المعلمين السودانيين استغرابها لتصريحات وزير المالية جبريل إبراهيم، بشأن شروع المجلس الأعلى للأجور في ترتيبات زيادة مرتبات العاملين بالدولة

