ultracheck
مجتمع

حرب السودان.. النساء في مواجهة العنف وانهيار العدالة

26 نوفمبر 2025
العنف ضد النساء
العنف الجنسي ضد النساء
الفاتح محمد
الفاتح محمدكاتب من السودان

منذ اندلاع حرب 15 أبريل، وجدت النساء السودانيات أنفسهن في قلب الانهيار الذي ضرب البلاد. لم تكن الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل تحوّلت سريعًا إلى أزمة إنسانية ممتدة دفعت ملايين النساء للمعاناة، وعرّضتهن لأشكال غير مسبوقة من الخطر والعنف والاستغلال.

في مخيمات النزوح، وفي المدن التي فقدت أمنها ونظامها الصحي، كانت النساء يتحمّلن عبء البقاء اليومي للأسَر، بينما تواجه أخريات عنفًا جنسيًا واستغلالًا غذّاه انتشار السلاح وغياب القانون. 

باحثة لـ"الترا سودان": "الحرب لم تدمر فقط حياة النساء الخاصة، بل هزّت كل ركائز المشاركة السياسية والاقتصادية وأعادت السودان سنوات إلى الوراء فيما يتعلق بحقوق النساء"

 

وبينما تقف الناجيات أمام واقع قاسٍ، تبقى فرص العدالة شبه معدومة؛ فلا مراكز شرطية كافية، ولا قدرة على ملاحقة الجناة، ولا منظومات طبية أو قانونية مؤهلة للتعامل مع جرائم العنف الجنسي.

وفق بيانات الأمم المتحدة، هناك أكثر من 10.5 مليون نازح داخليًا في السودان، بينهم 2.5 مليون امرأة وفتيات في سن الإنجاب، وأكثر من 726,000 امرأة حامل بحاجة عاجلة إلى رعاية صحية. 

وتشير التقارير إلى أن أكثر من 12 مليون شخص، أغلبهم نساء وفتيات، معرضون للعنف القائم على النوع الاجتماعي، مع توثيق حالات اغتصاب جماعي واستغلال جنسي وزواج قسري.

وفي اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة، تبدو قصص النساء السودانيات شاهدة على حجم الفجوة بين الشعارات العالمية والواقع الميداني؛ واقعٌ تحاول النساء مقاومته يوميًا، بجهود فردية وجماعية، وبما تبقّى من مؤسسات منهارة وإرادة صلبة لا تزال تقاتل من أجل الحياة.

مشهد قاتم

فمنذ الرصاصة الأولى، وجدت النساء أنفسهن في واجهة الانهيار الكبير الذي أصاب السودان. ملايين النازحين تدفقوا عبر المدن والقرى، وكانت النساء، كما تقول الباحثة والنسوية تماضر نور الدين في حديثها لـ"الترا سودان": "يمثّلن جزءًا ضخمًا من حركة النزوح الداخلي، ومعهن الأطفال الذين أصبحوا أكثر الفئات هشاشة".

مع انهيار النظام الصحي، تزايدت المخاطر على حياة النساء، خاصة الحوامل. وتشير تماضر إلى أن "الدمار الذي أصاب القطاع الصحي كان غير مسبوق، وترك أثرًا مباشرًا وخطيرًا على حياة النساء والأطفال". 

ورغم ظروف النزوح القاسية، حملت النساء أدوارهن الرعائية على أكتافهن وكنّ - كما توضح - "ركيزة أساسية في إعادة أشكال الحياة اليومية ودعم الأسر".

لكن تحت هذا العبء، كان هناك واقع أكثر قسوة: انتشار العنف الجنسي والعنف المبني على النوع الاجتماعي بوتيرة مخيفة. تقول تماضر: "العنف الجنسي لم يقتصر على العمليات العسكرية، رغم أنه ظهر بوضوح في التقارير التي وثّقت الاغتصاب والتعذيب والاسترقاق والإجبار على الأعمال المنزلية، خاصة على يد مليشيا الدعم السريع."
وفي السياق، أكدت وزيرة الدولة للرعاية الاجتماعية أن "ميليشيا الدعم السريع استخدمت العنف الجنسي كسلاح حرب"، مستشهدة بما حدث في الفاشر، إذ استُخدم الاغتصاب كأداة للانتقام وبث الرعب، كما وثّقت التقارير الحكومية مقتل 300 امرأة عند دخول القوات إلى المدينة، في واحدة من أسوأ موجات العنف المباشر ضد النساء منذ بداية النزاع.

وتحذر تقارير منظمات مثل أطباء بلا حدود والأمم المتحدة من استمرار تعرض النساء والفتيات في دارفور لخطر شبه دائم من العنف الجنسي، خاصة أثناء محاولتهن الوصول إلى المساعدات أو العمل، مع تسجيل أكثر من 650 حالة عنف جنسي خلال الأشهر الأولى من 2025 فقط.

وفي موازاة عنف الحرب، ارتفعت معدلات العنف الأسري، وبرزت ظواهر مؤلمة مثل زواج الطفلات والتزويج القسري، في ظل خروج مئات الآلاف من الفتيات من التعليم. كما جعل انعدام الأمن النساء عرضة للاستغلال خلال محاولتهن الوصول إلى المساعدات الإنسانية أو أثناء بحثهن عن عمل في اقتصاد منهار.

تشرح تماضر أن الحرب لم تدمر فقط حياة النساء الخاصة، بل "هزّت كل ركائز المشاركة السياسية والاقتصادية، وأعادت السودان سنوات إلى الوراء فيما يتعلق بحقوق النساء". وتضيف: "أمامنا معركة أصعب بعد الحرب، لحماية مكتسبات الثورة وبناء أجهزة عدلية وأمنية تخدم الإنسان فعلًا.".

ورغم هذا المشهد القاتم، ظهرت مبادرات نسوية تقاوم الانهيار. من أهمها غرف الطوارئ النسوية التي تقول عنها تماضر إنها "سدّت فجوة ضرورية في العمل الطوعي والإنساني الموجّه لاحتياجات النساء خلال الحرب". وترى أن صمود كل امرأة تحاول إعادة بناء حياتها يعد "نموذجًا ملهمًا للمقاومة والثبات".

أما عن اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة (25 نوفمبر)، فترى تماضر أنه لا يحمل وزنًا عمليًا كبيرًا وسط هذا الدمار. تقول: "قد لا يعني هذا اليوم شيئًا في أرض الواقع للكثير من النساء. الوعي مهم، لكنه ليس كافيًا. المعركة الحقيقية هي العمل اليومي الشامل الذي يعالج قضايا النساء كجزء أساسي من المجتمع، مع مراعاة اختلاف أوضاعهن وتحدياتهن".

عدالة غائبة

من جهتها، ترى القانونية والمدافعة عن حقوق الإنسان أروى صابر في حديث لـ"الترا سودان" أن العنف ضد النساء ازداد بصورة لافتة منذ اندلاع حرب 15 نيسان/أبريل، ليس فقط في مناطق الفراغ الأمني، بل حتى في المناطق التي تُوصف بأنها آمنة نسبيًا.

تقول أروى: "انتشار السلاح سمح لضعاف النفوس باستغلال النساء، وشهدنا حالات اغتصاب واستغلال جنسي وحتى جرائم قتل بشعة، من بينها طعن رجل لطليقته حتى فارقت الحياة."

ومع غياب القانون، بات الوصول للحماية أو الإبلاغ عن الجرائم تحديًا معقدًا. توضّح أروى أن غياب المراكز الشرطية في الخرطوم خلال الأشهر الأولى للنزاع جعل عملية التبليغ شبه مستحيلة، كما أن "قاعدة الاختصاص كانت عائقًا كبيرًا"، قبل أن تعمل منظمات نسوية على تعديل هذا البند لصالح الناجيات.  "لكن العقبات لم تتوقف عند هذا الحد؛ ففي حالات اتهام عناصر من الدعم السريع مثلًا، لا توجد قوة قادرة على توقيف المتهم، ناهيك عن الدعاوى المفتوحة في اتهام أي جنود من طرف في مناطق سيطرته".

وتضيف أن الحصول على الأدلة الطبية يمثل تحديًا آخر: "لا توجد معامل لتحليل البصمة الوراثية، ولا تتوفر قواعد بيانات للـDNA، كما تفتقر الشرطة لمكاتب متخصصة ومدربة على التعامل مع الناجيات- وهو جانب حساس وأساسي لتحقيق العدالة."

قانونية لـ"الترا سودان": "انتشار السلاح سمح لضعاف النفوس باستغلال النساء وشهدنا حالات اغتصاب واستغلال جنسي وحتى جرائم قتل بشعة."

 

وبخصوص اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة، ترى أروى أنه يمكن أن يكون منصة ضغط مهمة، إذا استُخدم بشكل صحيح. وتشدد على ضرورة "التوعية بحقوق النساء في النزاع، بما في ذلك النساء الجنديات"، إضافة إلى المطالبة بتطوير القوانين، وإلغاء النصوص التي تعزّز التمييز والعنف المبني على النوع الاجتماعي. كما تؤكد أهمية إنشاء مكاتب شرطية متخصصة في العنف الجنسي ودعم حملات المناصرة التي تُعالج جذور الانتهاكات.

أما في ما يتعلق بالإجراءات العاجلة التي يمكن اتخاذها لحماية النساء، فتختصر أروى الأمر في مطلب واحد: "الحرب نفسها أصبحت بيئة خصبة لانتهاكات لا تُحصى. البداية الحقيقية لأي حماية هي وقف الحرب".

وفي المحصلة، مع استمرار الحرب وتداعياتها العميقة، تبقى النساء السودانيات في مواجهة يومية مع العنف والاستغلال، لكن صمودهّن وإبداعهن في مواجهة الصعاب يظل مصدر إلهام. هل سيأتي اليوم الذي تُحترم فيه حقوقهن بالكامل، أم ستبقى النساء في السودان ضحايا الصراعات والطوارئ؟

الكلمات المفتاحية

قارب مهاجرين في البحر الأبيض المتوسط

هجرة السودانيين من ليبيا إلى اليونان.. السجن على طرفي البحر الأبيض المتوسط

يغادر المهاجرون السودانيون إلى ليبيا مباشرة أو عبر مصر. بعضهم يعمل لجمع المال للرحلة، وآخرون يعتمدون على مدخرات عائلاتهم، في رحلات اتجار بالبشر بالغة الخطورة


مستشفى كادوقلي

تفاقم الأزمة الصحية بكادوقلي ومخاوف من مغادرة منظمات دولية

تعيش مدينة كادوقلي، عاصمة ولاية جنوب كردفان، واحدة من أعقد أزماتها الإنسانية منذ اندلاع الحرب


نازحون

كيف تتحكم الحرب في حياة أكثر من مليون نازح في كردفان؟

يتحكم عنصران أساسيان في وضع النازحين داخل مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان: الأول هو انحسار تهديدات قوات الدعم السريع عن تخوم المدينة، والثاني هو تزايد حركة النزوح نحوها من مختلف أجزاء الإقليم


مواقع التواصل الاجتماعي في السودان

مواقع التواصل.. هل تحولت إلى سلاح خفي في حرب السودان؟

تحولت مواقع التواصل الاجتماعي في السودان، خلال سنوات الحرب الأخيرة، إلى الساحة الأوسع لتداول الأخبار وصناعة الرأي العام، في ظل غياب شبه كامل للرقابة

المعادن في السودان- التعدين.jpg
أخبار

مصرع 6 وإصابة أكثر من 10 في انهيار آبار تعدين بجنوب كردفان

لقي 6 معدنين مصرعهم، وأُصيب أكثر من 10 آخرين، اليوم الجمعة 23 يناير 2026، في انهيار آبار للتعدين الأهلي عن الذهب في محلية أبو جبيهة بولاية جنوب كردفان.

الهلال ضد ماميلودي صن داونز
أخبار

الهلال يقتلع نقطة تعادل ثمينة من ماميلودي صن داونز في بريتوريا

تمكن فريق الكرة بنادي الهلال السوداني من العودة بنقطة تعادل ثمينة من خصمه الصعب ماميلودي صن داونز الجنوب إفريقي، في المباراة المقامة ضمن مواجهات الجولة الثالثة في دوري أبطال إفريقيا.


قارب مهاجرين في البحر الأبيض المتوسط
مجتمع

هجرة السودانيين من ليبيا إلى اليونان.. السجن على طرفي البحر الأبيض المتوسط

يغادر المهاجرون السودانيون إلى ليبيا مباشرة أو عبر مصر. بعضهم يعمل لجمع المال للرحلة، وآخرون يعتمدون على مدخرات عائلاتهم، في رحلات اتجار بالبشر بالغة الخطورة

المعلمين.jpg
أخبار

لجنة المعلمين السودانيين تنتقد ربط زيادة الأجور بالموازنة

أبدت لجنة المعلمين السودانيين استغرابها لتصريحات وزير المالية جبريل إبراهيم، بشأن شروع المجلس الأعلى للأجور في ترتيبات زيادة مرتبات العاملين بالدولة

الأكثر قراءة

1
اقتصاد

موسم التبضع إلى الجنوب: كيف غيرت الحرب في جنوب كردفان طرق التجارة ومصادر السلع؟


2
أخبار

يونيسف: 8 ملايين طفل خارج المدارس في السودان


3
أخبار

رحيل صلاح الدين الفاضل.. أحد رواد الإذاعة السودانية ومبدعيها


4
اقتصاد

وزير المالية: الميزانية الطارئة بداية مرحلة من البناء والتعافي في السودان


5
أخبار

مصادر لـ "الترا سودان": إزالة 10 ألغام أرضية في مناطق متفرقة بجنوب كردفان