حرب السودان.. هل تنهيها البندقية أم مساعي التفاوض؟
17 أكتوبر 2025
لمعرفة مدى فعالية الجهود الدبلوماسية والسياسية التي تقودها الرباعية في حل الأزمة السودانية، التي نجمت عن حرب 15 نيسان/أبريل والتي تقترب من إكمال عامها الثالث، سنحتاج إلى تحليل مدى اقتراب الرؤى السياسية والنظرة إلى الحرب ذاتها من وجهة نظر الدولة والجيش أو مليشيا الدعم السريع. كما يجب النظر فيما إذا كان الموقف الميداني والعسكري يلعب دورًا في هذا الأمر، وإلى أي مدى يريد كل طرف الوصول، ميدانيًا وعسكريًا، حتى يجلس إلى طاولة التفاوض. وهل يمكن لطاولة التفاوض حل الأزمة أم تساهم في تعقيدها؟ وهل يمكن أن يظل الحسم العسكري هو ميدان الحل الوحيد، كما يحدث منذ اندلاع الحرب؟
موقف الدولة
يمثل الجيش السوداني وقادته الدولة السودانية، التي تخوض هذه الحرب ضد مليشيا عسكرية تمردت على الدولة وهاجمت المقار الحكومية والعسكرية واحتلت المدن والولايات، ولاحقت قادة الجيش، وأسرت الجنود، وانتهكت المواطنين وقتلتهم وشردت ما يزيد على 15 مليون مواطن من منازلهم، توزعوا بين النزوح واللجوء. كما تسببت في تدمير البنية التحتية للسودان، وانهارت تبعًا لذلك قطاعات كثيرة، مثل الصحة والتعليم والخدمات والأمن، مما تسبب بمعاناة هائلة للمواطنين الذين ظلوا في المدن والقرى والمناطق التي طالتها الحرب.
يمكن ببساطة ملاحظة وجود عدة تيارات داخل الدولة تنظر إلى التفاوض بعيون مختلفة. فبينما يعتقد البعض أن لا خيار لإنهاء هذه الحرب إلا بالحسم العسكري، والذي يؤمن به تيار قوي داخل الدولة وقيادات الجيش، يظن تيار آخر أن التفاوض هو ما سيحسم هذه الحرب
استطاعت القوات المسلحة السودانية والقوات المتحالفة معها امتصاص صدمة التمرد، وتحرير العاصمة الخرطوم بمدنها الثلاث، وولاية الجزيرة، والعديد من المدن في شمال كردفان، وتتقدم متحركاتها العسكرية في ولايات كردفان لتحرر المزيد من المدن والقرى والمناطق، بينما تظل فرقتها العسكرية والقوات المشتركة صامدة في مدينة الفاشر تصد الهجمات اليومية لمليشيا الدعم السريع التي تريد الاستيلاء على عاصمة إقليم دارفور ليكتمل لها تمام السيطرة على ولايات دارفور.
يمكن ببساطة ملاحظة وجود عدة تيارات داخل الدولة تنظر إلى التفاوض بعيون مختلفة. فبينما يعتقد البعض أن لا خيار لإنهاء هذه الحرب إلا بالحسم العسكري، والذي يؤمن به تيار قوي داخل الدولة وقيادات الجيش، يظن تيار آخر أن التفاوض هو ما سيحسم هذه الحرب، لكنه يريد أن يحاصر المليشيا عسكريًا في أضيق نطاق لتكون له اليد العليا في مائدة التفاوض.
موقف المليشيا
مليشيا الدعم السريع منذ وقتٍ مبكر أرادت الجلوس إلى التفاوض لمعرفتها أن سيطرتها العسكرية على المدن المهمة والاستراتيجية مؤقتة، لذلك عليها المضي نحو التفاوض وموقفها الميداني والعسكري في عنفوانه، لكن قادة الجيش الذين يعرفون هذه المعادلات جيدًا رفضوا المُضي في هذا الكمين التكتيكي، وظلت شروط الجلوس إلى التفاوض محل جدل.
مليشيا الدعم السريع، التي تقهقرت عسكريًا وفقدت الكثير من قوتها الصلبة في معارك الخرطوم والجزيرة وسنار والنيل الأبيض وكل المحاور المشتعلة في السودان، وفقدت سيطرتها الميدانية لكل هذه الولايات التي حررتها القوات المسلحة حتى انحصر وجود المليشيا في ولايات دارفور وبعض ولايات كردفان، اضطرت إلى السعي نحو خلق تحالفات جديدة تبقيها داخل المعركة. فانشأت تحالفًا سياسيًا وعسكريًا مع الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال جناح عبدالعزيز الحلو، فيما سُمي بتحالف "تأسيس"، الذي جمع العديد من السياسيين الذين يمكن أن نطلق عليهم "الذئاب المنفردة"، فلا وجود لأحزاب حقيقية خلفهم أو قواعد اجتماعية، بل لافتات مدنية وسياسية تحاول المليشيا عبرهم الإيهام بأنها تسعى لتكوين دولة قومية على أسس مختلفة، بعد أن خاب مسعاها العسكري في السيطرة على السودان وتحطيم الدولة وفق رؤية أجنبية معادية.
لا يريد المجتمع الدولي لأي من الطرفين الانتصار في الحرب، لذلك يؤكد في كل بياناته السياسية، عبر لافتاته المختلفة، أنه لا حسم عسكري للصراع المشتعل في السودان
هذا التقهقر العسكري والتحطيم الذي طال المليشيا يدفعها نحو تكتيك محدد للضغط باتجاه التفاوض، وهو إرسال طائرات مسيَّرة انتحارية أو تكتيكية لقصف الأماكن التي تسيطر عليها الدولة السودانية، لزعزعة الأمن الذي استشعره المواطنون عقب تحرير المدن والولايات من المليشيا التي سامت المواطنين شر العذاب.
موقف المجتمع الدولي
لا يريد المجتمع الدولي لأي من الطرفين الانتصار في الحرب، لذلك يؤكد في كل بياناته السياسية، عبر لافتاته المختلفة، أنه لا حسم عسكري للصراع المشتعل في السودان. فانتصار أي طرف يعقّد الأزمة أكثر ويدفع بالتناقض لأعلاه، لأن توازنات الضعف التي سادت في السودان لفترة بعد سقوط نظام الإنقاذ تمكن المجتمع الدولي من شد الأطراف حسب الحاجة، والتلاعب بالتناقضات التي تكتنف المشهد السياسي والعسكري في السودان. بينما انتصار الجيش مثلًا يدفعهم للتعامل مع طرف واحد لديه رؤية واحدة، ربما تجعل من تحقيق مطلوباته شيئًا صعبًا ومعقدًا، لكنه رغم ذلك لم يسعَ جاهدًا لإنهاء الحرب، بل ظل في موقفه في إبداء القلق من تطاول أمد الأزمة الإنسانية والتعبير عن رفضه لاشتعال الحرب عبر الأمين العام للأمم المتحدة، وبقية منظماته التي تصدر بيانات راتبة وإحصاءات وتقارير عن محصلة الحرب والانتهاكات اليومية.
موقف الرباعية
تصطدم جهود الرباعية بموقف الدولة السودانية من وجود دولة الإمارات العربية المتحدة فيها، والتي تتهمها الدولة السودانية بالوقوف خلف الحرب في السودان ودعمها العسكري المستمر لمليشيا الدعم السريع، وهو ما يجعل وجودها داخل مجموعة سياسية ودبلوماسية تسعى لوقف الحرب متناقضًا مع دعمها لأحد طرفيها. لذلك لم تثمر جهود الرباعية حتى الآن، رغم سعيها المكثف لإنهاء الحرب والجلوس إلى الأطراف وعقد اجتماعات دورية بين وزراء خارجية الدول المنضوية تحت لواءها.
التطورات الدبلوماسية الأخيرة
عقب نجاح رئيس الولايات المتحدة الأميركية ترامب في مبادرته بشأن إنهاء حرب غزة وتوقيع اتفاق سلام بين "إسرائيل" وحركة المقاومة الإسلامية "حماس" بإشرافه شخصيًا، ربما يبدأ ترامب اتجاهًا جديدًا عبر مبعوثه الشخصي مسعد بولس لتحقيق اختراق جديد في مسار السلام بالسودان، عقب زيارة الرئيس البرهان لجمهورية مصر العربية ووجود المبعوث الخاص للرئيس الأميركي هناك. ربما ثمة مجهودات سرية بإشراف ترامب شخصيًا، المدفوع بنجاح مبادرته للسلام في غزة، لتحقيق مجد شخصي يجعله يظهر بمظهر الرئيس الداعم للسلام، في مقابل إدارة بايدن التي يتهمها بإشعال الحروب حول العالم.
هل تتحقق مساعي ترامب وتحركات مبعوثه الشخصي عبر جمهورية مصر الجديدة بلعب دور جديد في المنطقة عقب دورها في إنهاء حرب غزة، أم أن أنصار الحسم العسكري لحرب السودان يواصلون سعيهم لإنهاء مغامرة مليشيا الدعم السريع في لعب أدوار جديدة في السودان؟ هذا ما ستسفر عنه الفترة القادمة، والتي ربما تحمل الكثير من المفاجآت.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية

الترامبية والسودان.. هل تستخدم أميركا أوراق نفوذها لإطفاء حرب السودان؟
بعد أشهر قليلة من تسنُّمه السلطة، عاد السودان فجأة، هذا البلد المسكون بالخراب، إلى لسان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مع منح قضيته أهمية خاصة، وتأكيد على السعي الجاد لإنهاء أزمته وإطفاء نيران الدمار. فما هي تلك الأهمية التي يمثلها السودان لـ"السياسة الترامبية"، وهل بالإمكان فعليًا التدخل في الشأن السوداني وفقًا لمعطيات هذه السياسة؟

الملح في حروب جبال النوبة
في حروب جبال النوبة لم تكتب كل الوقائع في الوثائق، ولم تقع جميعها ضمن حبر الباحثين والكتاب، فكثير من الأحداث الكبرى ظل محفوظًا في الذاكرة الشفاهية،

في الذكرى الـ"70" للاستقلال.. ماذا فعلنا بالبلاد؟
أطلت قبل أيام الذكرى السبعين للاستقلال المجيد؛ الذي جاء ثمرة كفاح طويل وسعي حثيث للتحرر الوطني من ربقة الاستعمار الإنجليزي، قُدِّمت في سبيله الأرواح

مصرع 6 وإصابة أكثر من 10 في انهيار آبار تعدين بجنوب كردفان
لقي 6 معدنين مصرعهم، وأُصيب أكثر من 10 آخرين، اليوم الجمعة 23 يناير 2026، في انهيار آبار للتعدين الأهلي عن الذهب في محلية أبو جبيهة بولاية جنوب كردفان.

الهلال يقتلع نقطة تعادل ثمينة من ماميلودي صن داونز في بريتوريا
تمكن فريق الكرة بنادي الهلال السوداني من العودة بنقطة تعادل ثمينة من خصمه الصعب ماميلودي صن داونز الجنوب إفريقي، في المباراة المقامة ضمن مواجهات الجولة الثالثة في دوري أبطال إفريقيا.

هجرة السودانيين من ليبيا إلى اليونان.. السجن على طرفي البحر الأبيض المتوسط
يغادر المهاجرون السودانيون إلى ليبيا مباشرة أو عبر مصر. بعضهم يعمل لجمع المال للرحلة، وآخرون يعتمدون على مدخرات عائلاتهم، في رحلات اتجار بالبشر بالغة الخطورة

لجنة المعلمين السودانيين تنتقد ربط زيادة الأجور بالموازنة
أبدت لجنة المعلمين السودانيين استغرابها لتصريحات وزير المالية جبريل إبراهيم، بشأن شروع المجلس الأعلى للأجور في ترتيبات زيادة مرتبات العاملين بالدولة

