ultracheck
رأي

مؤتمر برلين والمجتمع المدني السوداني.. من يمثل من؟

12 أبريل 2026
عبد الله حمدوك
يستأثر تحالف "صمود" الذي يقوده رئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك بأكثر من نصف المقاعد (أرشيفية/رويترز)
الفاتح محمد
الفاتح محمد كاتب من السودان

في الخامس عشر من أبريل 2026 تحل الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب السودانية، وكما جرت العادة في باريس ولندن، ستُفتح قاعات برلين لنحو 41 شخصية سودانية دُعيت للتحدث باسم "الفاعلين المدنيين"، وستُختتم الجلسات ببيانات وتعهدات، وستبقى الحرب.

لكن ما يختلف هذه المرة هو أن الجدل حول قوائم المدعوين بلغ ذروته قبل انعقاد المؤتمر، وكشف بشكل صريح عن سؤال لم تحسمه الدورتان السابقتان: من يمثل المجتمع المدني السوداني في هذه المحافل؟ ولأي غاية؟

ينطلق "المسار المدني" فعليًا يوم 12 أبريل من اجتماع تحضيري في أديس أبابا، حيث يجري العمل على صياغة بيان مشترك باسم "الفاعلين المدنيين السودانيين" لطرحه على الدول المشاركة في مؤتمر برلين

وينعقد مؤتمر برلين حول السودان بتنظيم مشترك تقوده ألمانيا والاتحاد الأوروبي، وبالتعاون مع الاتحاد الأفريقي وعدد من العواصم الغربية الفاعلة، بينها فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة. ويتميز هذا المؤتمر عن سابقاته بإدخال "مسار مدني" إلى جانب المسارين الإنساني والسياسي.

ويهدف المؤتمر، وفق ما يُعلن دبلوماسيًا، إلى الدفع نحو "هدنة إنسانية" تتيح فتح ممرات الإغاثة لنحو 14 مليون متضرر داخل السودان، بالتوازي مع حشد التمويل الدولي. ويواجه هذا المسار مفارقات عديدة؛ إذ دعا الاتحاد الأوروبي، قبيل المؤتمر، إلى توسيع حظر السلاح ليشمل كامل السودان، ومحاسبة الدول المنتهكة له، في وقت تشارك فيه بعض هذه الدول ضمن ترتيبات المؤتمر ذاته.

وبحسب تسريبات لمسودة أولية اطلعت عليها، ينطلق "المسار المدني" فعليًا يوم 12 أبريل من اجتماع تحضيري في أديس أبابا، حيث يجري العمل على صياغة بيان مشترك باسم "الفاعلين المدنيين السودانيين" لطرحه على الدول المشاركة في مؤتمر برلين. وهنا يأتي جدل التمثيل: من يشارك في صياغة البيان؟ وعلى أي أساس؟ ولماذا لا تُنشر التفاصيل من باب الشفافية؟

وتكشف المسودة الأولية أن الإطار العام للعملية يُرسم خارج السودان قبل انعقاد المؤتمر، بلغة توافقية واسعة ترفع شعار "عملية سودانية خالصة" دون تسمية الأطراف أو تحديد المسؤوليات، مع تركيز على مفاهيم عامة مثل "خفض التصعيد" و"الشمول"، دون إسنادها إلى آليات تنفيذ أو مساءلة واضحة.

والأهم في هذه المسودة هو ما تغفله؛ إذ تخلو من أي إشارة صريحة إلى المحاسبة أو إلى الجرائم الموثقة، مقابل تأكيد متكرر على إدماج جميع الأطراف ضمن مسار سياسي واحد. ويعكس هذا التغييب توجهًا في هندسة المسار يقوم على تأجيل العدالة لصالح بناء توافق سياسي هش.

وفي هذا السياق، يتحول "المسار المدني" إلى جزء من معادلة يُعاد فيها تعريف الفاعلين وفق موقعهم داخل إطار يجري ترتيبه مسبقًا.

مقاطعة وغياب ورفض حكومي

في هذا الصدد، أعلن رئيس تنسيقية القوى الوطنية، محمد سيد أحمد الجاكومي، مقاطعتهم للمؤتمر، محتجًا بأن التحالف المدني الديمقراطي "صمود" برئاسة عبد الله حمدوك يستأثر بأكثر من نصف المقاعد، بينما أُقصيت شخصيات وكيانات من الطرق الصوفية والقيادات القبلية والحركات الشبابية والنسوية ذات الحضور الميداني. وفي السياق ذاته، أعلنت "مركزية تجمع المهنيين الوطنيين" مقاطعتها، واصفة الآلية الخماسية بالانحياز في إدارة العملية، كما رفضت الحكومة السودانية المؤتمر رسميًا، وسلمت سفيرتها في برلين مذكرة اعتراض.

ووفق ما أفادت به مصادر مطلعة، فإن تحالف الكتلة الديمقراطية رفض المشاركة بوصفه كتلة سياسية، غير أن ثلاثة من أعضائه سيحضرون بصفة فردية تحت مسمى "مجتمع مدني"، مما يجعلنا نتساءل: هل يصبح الشخص ممثلًا للمجتمع المدني بمجرد تغيير صفته في قائمة المدعوين؟

وفي خطوة مربكة، أعلن مناوي الدفع بمنسق الشؤون الإنسانية لإقليم دارفور، السيد عبد الباقي حامد، لحضور المؤتمر بصفة مراقب، على الرغم من الرفض الرسمي للحكومة السودانية المشاركة في المؤتمر، ما يمثل تناقضًا صريحًا وتجاوزًا للقرار السيادي.

تشير أدبيات البنك الدولي وبرامج برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن "فعالية المجتمع المدني في البيئات الهشة ترتبط بمدى تجذره المحلي واستقلاله عن شبكات التمويل والتمثيل الخارجي"

ولا يعكس الخلاف إذن تنافسًا على عدد المقاعد بقدر ما يكشف عن أزمة متجذرة في النخبة السودانية، تتمثل في تنافس القوى المدنية على الحضور في مؤتمر يُديره الغرب، ما يعني قبولها الضمني بأن شرعيتها مصدرها الدعوة الخارجية بدلًا من أن تستمدها من القاعدة الداخلية.

وللمفارقة، يشهد المؤتمر غياب الفاعلين الميدانيين الحقيقيين، مثل غرف الطوارئ والأجسام القاعدية والمجتمعية ذات التأثير الأكبر على الأرض، مع تمثيل هامشي لها في حال وجودها، أو حضور شخصيات لا تملك بالضرورة تفويضًا واضحًا.

وتشير أدبيات البنك الدولي وبرامج برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن "فعالية المجتمع المدني في البيئات الهشة ترتبط بمدى تجذره المحلي واستقلاله عن شبكات التمويل والتمثيل الخارجي". وفي هذا الصدد، تعكس الفجوة بين الفاعلين الميدانيين داخل السودان ونظرائهم الحاضرين في المؤتمرات الدولية تفاوتًا في الفرص، واختلافًا في طبيعة الشرعية نفسها، بين شرعية نابعة من الاستجابة اليومية للأزمة، وأخرى تُبنى عبر القبول الدولي.

البعد الإنساني والسياسي

وبالحديث عن البعد الإنساني، تشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" إلى تذبذب واضح في مستوى استجابة المانحين لخطط الاستجابة الإنسانية في السودان خلال العقد الأخير؛ إذ شهد العام الماضي أدنى مستوى تمويل في تاريخ هذه الخطط، حيث لم تتجاوز نسبة الاستجابة 40% فقط.

وفي السياق، تظل مساهمات العواصم الأوروبية الرئيسية التي تستضيف مؤتمرات السودان، كبرلين وباريس ولندن، محدودة نسبيًا؛ ففي خطة الاستجابة لعام 2023، التي قُدرت احتياجاتها بنحو 2.6 مليار دولار، لم يُمول منها سوى 51% فقط، بينما بلغت مساهمة ألمانيا حوالي 5.1%، وفرنسا 4.7%، وبريطانيا 4.4%.

وفي هذا الصدد، يحق لنا التساؤل: رغم تكرار المؤتمرات وتعهداتها، هل يُراد فعليًا لهذه المؤتمرات أن تكون أدوات فعالة لمعالجة "أسوأ أزمة إنسانية في العالم"؟ أم أنها بالأساس مصممة لتأدية وظيفة سياسية؟

وفي الشأن السياسي، يطرح المؤتمر منصة لـ"الحوار السياسي الجامع"، لكن ثمة سؤال يسبق هذا الطرح: جامع بمن تحديدًا؟ فإدراج واجهات مرتبطة بالدعم السريع في أي مسار سياسي، قبل البت في مسؤوليتها عن الجرائم في تقارير لجنة تقصي الحقائق الأممية، لن يُنتج بالضرورة حوارًا جامعًا، وإنما مجرد شرعية مجانية ومساهمة في إفلاتهم من العقاب.

وكانت بعثة تقصي الحقائق بشأن السودان قد وثقت أنماطًا واسعة من الانتهاكات التي قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك القتل على أساس عرقي والعنف الجنسي واسع النطاق.

سلسلة هذه المؤتمرات المتعاقبة تسير في اتجاه تكريس الدعم السريع كفاعل سياسي في مستقبل السودان، ومساواته بمؤسسات الدولة الرسمية، في مقابل تأجيل مستمر لمسألة المحاسبة

والأخطر من ذلك أن سلسلة هذه المؤتمرات المتعاقبة تسير في اتجاه تكريس الدعم السريع كفاعل سياسي في مستقبل السودان، ومساواته بمؤسسات الدولة الرسمية، في مقابل تأجيل مستمر لمسألة المحاسبة، مع تجاهل العقوبات الأوروبية والأميركية والأممية الصادرة بحق عدد من قيادات الدعم السريع، رغم رمزيتها ومحدودية أثرها، دون أن تُفضي إلى أي إجراء رادع.

فيما تواصل الإمارات دعمها اللوجستي والعسكري للدعم السريع، رغم توثيق ذلك في تقارير أممية وصحفية متعددة، دون أن يتضمن جدول أعمال برلين أي آلية لمحاسبتها، مع ممارستها لضغوط كبيرة على الدول الأوروبية بسبب الشراكات التجارية والاقتصادية الضخمة لأبوظبي مع الاتحاد الأوروبي.

وأشارت تقارير صادرة عن الأمم المتحدة، إلى جانب تحقيقات لوسائل إعلام دولية، إلى استمرار تدفقات السلاح إلى داخل السودان، والدعم اللوجستي عبر شبكات إقليمية، في خرق محتمل لأنظمة حظر التسليح، خصوصًا في دارفور. ورغم نفي بعض الدول المعنية، فإن تكرار هذه الاتهامات في أكثر من تقرير مستقل يعكس فجوة واضحة بين آليات الرقابة الدولية والواقع الميداني، ويطرح تساؤلات حول جدوى أي مسار سياسي لا يتعامل مع مصادر إدامة الحرب.

وكانت كل من وزارة الخزانة الأميركية والاتحاد الأوروبي قد فرضتا عقوبات على أفراد وكيانات مرتبطة بالصراع، في محاولة للحد من تمويل العمليات العسكرية. غير أن هذه الإجراءات، وفق تقييمات صادرة عن مراكز بحثية دولية، ظلت محدودة الأثر في ظل ضعف آليات التنفيذ وتعدد قنوات الالتفاف.

وثمة بُعد آخر لا يُناقش بما يكفي، وهو اتجاه المسارات المتعاقبة نحو "القبول بواقع أطراف الحرب" على الأرض، مما يعني ضمنيًا منطقًا يُفضي إلى تقسيم البلاد. ويتبلور هذا المنطق في معاملة الدعم السريع كطرف سياسي شرعي يتفاوض على حصته في الحكم، لا كـ"مليشيا" مسلحة مدانة بارتكاب جرائم جسيمة؛ لذلك فإن النتيجة المنطقية هي ترسيم نفوذها الجغرافي كواقع دائم.

أظهرت تجارب نزاعات أخرى تعامل فيها المجتمع الدولي مع أطراف مسلحة كفاعلين سياسيين قبل حسم وضعهم القانوني، أن هذا المسار أدى إلى ترسيخ مناطق نفوذ بحكم الأمر الواقع

وفي السياق، أظهرت تجارب نزاعات أخرى تعامل فيها المجتمع الدولي مع أطراف مسلحة كفاعلين سياسيين قبل حسم وضعهم القانوني، أن هذا المسار أدى إلى ترسيخ مناطق نفوذ بحكم الأمر الواقع، وتحول مع الوقت إلى حدود سياسية غير معلنة، كما في السيناريو الليبي واليمني. وفي الحالة السودانية، فإن أي مقاربة لا تفصل بوضوح بين مسار التفاوض ومسار المساءلة تحمل خطر إعادة إنتاج هذا النموذج.

ويبدو أن برلين ستمثل محطة في مسار متكرر، ما لم يحمل المجتمع المدني السوداني سؤالًا مختلفًا هذه المرة يتجاوز مسألة كيف نحصل على مقاعد أكثر، إلى كيفية الحصول على آليات مساءلة تضمن محاسبة كل من تورط في دماء السودانيين، محليًا وإقليميًا ودوليًا.

ولا يجب، بأي حال من الأحوال، استجداء التمثيل في أروقة المؤتمرات الدولية، والاستعاضة بدلًا من ذلك ببنائه داخل السودان عبر القدرة على التوافق على الحد الأدنى من الأولويات، التي تشمل وقف الحرب، ومصير المليشيات، ومنع إعادة إنتاج الدولة العسكرية.

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

الكلمات المفتاحية

منتخب السودان وتنزانيا

كرة القدم النسائية.. بين فشل التخطيط وغياب المحاسبة

واصل منتخب السودان للسيدات تحت 17 عاماً نتائجه الكارثية في بطولة سيكافا المقامة بتنزانيا


لجوء

من ليبيا إلى بلفاست.. سودانيو المنافي في مرمى النيران

في بلفاست، تحول الهجوم الذي نفذه لاجئ سوداني من مجرد جريمة جنائية، إلى قضية رأي عام


البرهان وحميدتي.jpg

تفكيك الدعم السريع في السودان.. هل تؤدي التسوية السياسية إلى سلام مستدام؟

ثمة اتجاه متزايد داخل عدد من العواصم الغربية والإقليمية نحو الدفع بتسوية سياسية عاجلة للحرب في السودان. ويُقدّم هذا التوجه بوصفه استجابة إنسانية لكارثة تتسع يومًا بعد يوم، لكن السؤال الذي يظل غائبًا عن كثير من النقاشات يتعلق بنوع السلام الذي يمكن أن ينتج عن تسوية تُعقد في لحظة لم تتغير فيها موازين القوى التي أفرزت الحرب نفسها.


الناطق الرسمي باسم قوات الدعم السريع الفاتح قرشي.jpg

الفاتح قرشي يصف صحفيًا معتقلًا في سجون الدعم السريع بـ"المدلع"

بعد نحو عام من الاعتقال، لا تبدو تصريحات الفاتح قرشي محاولة لطمأنة الرأي العام

منتخب السيدات
أخبار

بعد صيام تهديفي.. منتخب السودان للسيدات يهز الشباك لأول مرة في سيكافا

تأتي مشاركة المنتخب السوداني ضمن مساعي الاتحاد السوداني لكرة القدم لتوسيع قاعدة كرة القدم النسائية

مقر الفيفا
أخبار

مستند الفيفا يفضح المستور.. "الترا سودان" يتحصل على الخطاب الذي قاد إلى أخطر قرار في الكرة السودانية

يكشف المستند، الذي اطلع عليه "الترا سودان" تفاصيل بالغة الحساسية حول ملف دارت بشأنه تساؤلات عديدة خلال الفترة الماضية


اعتقال - احتجاز - حبس.jpg
أخبار

خلاف داخل مقهى ينتهي بمأساة.. مقتل شابة سودانية في القاهرة

لقيت شابة سودانية مصرعها إثر اعتداء داخل أحد المقاهي بمنطقة مدينة نصر في العاصمة المصرية القاهرة

كأس العالم 2026
منوعات

المنتخبات العربية في كأس العالم 2026.. من يشجع السوداني؟

طرح الترا سودان سؤالًا على متابعيه: أي المنتخبات العربية تشجع في كأس العالم 2026؟ وكشفت نتائج التصويت، التي شارك فيها أكثر من أربعة آلاف متابع، ما هو أبعد من كرة القدم.

الأكثر قراءة

1
أخبار

فارس النور: تقدمت باستقالتي من "تأسيس" لهذه الأسباب


2
أخبار

والي شمال كردفان يدلي بتصريحات.. ماذا قال عن مدينة الأبيض؟


3
أخبار

تجمع مطلبي يطالب بكشف ملابسات استهداف المعدنين في وادي العلاقي


4
أخبار

حكومة البحر الأحمر تقرر اتخاذ إجراءات حاسمة في منطقة شهدت انفلاتًا أمنيًا


5
أخبار

"تركناهم خلفنا".. نزوح جماعي إثر هجوم الدعم السريع على هذه المنطقة