ultracheck
رأي

مجزرة الفاشر.. حقيقة الحرب وجوهرها

31 أكتوبر 2025
مدينة الفاشر تحت القصف
(أرشيفية)
عبدالرحيم حمدالنيل
عبدالرحيم حمدالنيلكاتب من السودان

سيتذكر السودانيون في المستقبل أن قوةً شبه نظامية تمردت على الدولة، وجمعت أشتاتًا من القتلة واللصوص من السجون والمليشيات، استأجرتها إحدى الدول لتحطيم السودان ونهبه وتجيير موارده لها. سيتذكرون تلك الليلة التي سقطت فيها أكثر المدن مقاومةً للغزو، وكيف أقاموا فيها مجزرةً لا أول لدمويتها ولا آخر لوحشيتها. وستكون هذه الذكرى هي الحصانة التي ستحمي السودانيين والدولة السودانية من تكرار أخطاء الماضي، بكل سوءاتها.

لم يكن مشهد الرجال والنساء الذين حُشدوا في صف طويل يمتد على خط أفقي داخل مدينة الفاشر مشهدًا غريبًا في حرب 15 أبريل؛ فقد تم تجهيز مشهد الإعدامات الجماعية التي ترتكبها مليشيا الدعم السريع من قبل في الجنينة، وودالنورة، والتكينة، والعديد من مدن وقرى السودان، حيث تم تصفية المئات من الأسرى المدنيين، وتصويرهم وبث فيديوهات الإعدام من قبل سفاحي الدعم السريع.

المشهد الدموي الصاخب الذي جاء إعلانًا لسقوط آخر مدن دارفور في يد مليشيا الدعم السريع، هو الحقيقة الساطعة لكُنه وطبيعة هذه المليشيا التي ارتبطت بالمجازر الدموية في دارفور

كانت لحظة سقوط مدينة الفاشر في يد مليشيا الدعم السريع بعد حصار طويل دام عامًا ونصف هي اللحظة التي بدأت فيها تصفية المواطنين الذين ذاقوا الأمرين. فقد صمدوا أمام الحصار والتجويع والقصف اليومي لمليشيا الدعم السريع، واستبسلوا في مقاومة غزو المدينة، وظلت أخبار الكارثة الإنسانية الناجمة عن الحصار والقصف اليومي تتصدر منصات الأخبار وتنبئ عن حجم المعاناة التي يواجهها إنسان الفاشر يوميًا.

في أحد الفيديوهات المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي يقول "أبولولو" — أحد قادة الدعم السريع الميدانيين الذي نفَّذ أكثر المجازر دمويةً في حرب 15 أبريل — في لقاء جمعه مع عدد من منسوبي مليشيا الدعم السريع إنه كان يريد تصفية ألفي شخص، لكنه عندما وصل إلى هذا العدد لم يعد يُحصي وتوقف عن العد. هذا أحد السفاحين؛ نفَّذ وحده عملية إعدام أكثر من ألفي أسير. فما هو العدد الكامل للذين تم إعدامهم في الفاشر؟ هذا ما لا يمكن التأكد منه الآن، ويحتاج إلى عمليات تدقيق وإحصاء ربما لا تتوفر مع سيطرة الميليشيا على المدينة.

المشهد الدموي الصاخب الذي جاء إعلانًا لسقوط آخر مدن دارفور في يد مليشيا الدعم السريع، هو الحقيقة الساطعة لكُنه وطبيعة هذه المليشيا التي ارتبطت بالمجازر الدموية في دارفور منذ 2003، ثم في كامل ربوع السودان بعد حرب 15 أبريل، وقبلها في هبة سبتمبر 2013 ومجزرة القيادة العامة. وقد ظلت الميليشيا تخلِّف الجثث والمجازر والانتهاكات في كل مكان وطأته أقدام جنودها المتعطشين للدم والقتل واستباحة المكان.

ومثلما تفرَّج العالم على المجازر الدموية والانتهاكات التي تجري يوميًا في غزة لأكثر من عامين، يتفرج على المجازر التي ترتكبها مليشيا الدعم السريع في الفاشر؛ التي، وللمفارقة، سيكون خلف هذه المجازر ذات العدو وذات الأموال التي تموِّل الحرب هنا وهناك؛ ذات الأصابع الخسيسة التي تمد السلاح بيد وترفع بيد أخرى ورقة التفاوض — الأصابع ملوَّثة بالدم والموت والخيانة.

صمدت الفاشر، وصمد أهلها أكثر من 18 شهرًا تحت القصف والحصار والتجويع، بينما كانت مليشيا الجنجويد تستقبل كل يوم مقاتلين جدد من المرتزقة الذين تستأجرهم إحدى العواصم الغاشمة من كل دول العالم لقتل السودانيين، وترسل كل يوم الأسلحة والمعدات العسكرية واللوجستية. صمدت الفاشر التي لها في الصمود جذور عميقة تمتد لمئات السنين، منذ أيام السلطنة، وصمد أهلها وجيشها ومقاومتها الشعبية والقوات المشتركة الذين صدوا مئات الهجمات وفرقوا شملها. وحين سقطت المدينة تكالب عليها القتلة والسفاحون؛ تكالب عليها الجنجويد وقاموا بتصفية أهلها وسكانها انتقامًا من هذه البسالة التي جعلتهم يقفون في وجه طيور الظلام ومصاصي الدماء.

منذ 15 أبريل يعيش السودان والسودانيون واقعًا جديدًا محفوفًا بالخطر والقتل والانتهاك؛ فقد باتت قوات الدعم السريع، التي كانت تأتمر بأمر قائد القوات المسلحة، قوةً متمردة على الدولة تحاول أن تحل محل الجيش، تستهدف المواطنين وممتلكاتهم ومقار الجيش وفرقه العسكرية

منذ 15 أبريل يعيش السودان والسودانيون واقعًا جديدًا محفوفًا بالخطر والقتل والانتهاك؛ فقد باتت قوات الدعم السريع، التي كانت تأتمر بأمر قائد القوات المسلحة، قوةً متمردة على الدولة تحاول أن تحل محل الجيش، تستهدف المواطنين وممتلكاتهم ومقار الجيش وفرقه العسكرية، وتأتمر بأمر عاصمة دولة أخرى تمدها بالسلاح والمرتزقة لتفعل مثلما فعلت في عدد من الدول من قبل. هذا السلوك العدواني الاستعماري ليس بمستغرب بعد أن باتت هذه الدولة هي الوجه الآخر للكيان المحتل، تقوم بأدواره في الإقليم وتحاول تحييد أية قوى يمكن أن تشكل خطرًا على الكيان؛ تستهدف الموارد وتنهبها، وتستهدف الجيوش النظامية لتحطيمها بمليشيات محلية تأتمر بأمرها وتخضع لقادتها لتنفيذ أهداف قريبة وبعيدة المدى. المستفيد الأول منها هو العدو الأول للشعوب الحرة في المنطقة والعالم.

تحطمت على صخرة الفاشر آمال الميليشيا ردحًا من الزمن، وباتت محاولاتهم المستمرة للسيطرة على المدينة مثار سخرية، فقد تجرعت جحافلهم الهزيمة كل يوم وتفرّق شملهم الذي كلما التأم حطمته جسارة شعب الفاشر، ذوو البأس الشديد والعزيمة الجبارة.

المشاهد المؤلمة التي تنقلها الفيديوهات المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي والأخبار على المنصات، للقتل والتنكيل والتعذيب الذي حدث لأهل الفاشر — نساءً ورجالًا وأطفالًا — ستكون هي الحقيقة الجوهرية لكُنه هذه الحرب وأهدافها الخفية والواضحة؛ إنها الثمار المُرة لوجود مليشيات عائلية وقبلية لا انتماء لجنودها سوى الاستباحة، ولا ضمير لقادتها سوى الذهب الدامي والمال الحرام والخيانة والارتزاق.
 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

الكلمات المفتاحية

دونالد ترامب

الترامبية والسودان.. هل تستخدم أميركا أوراق نفوذها لإطفاء حرب السودان؟

بعد أشهر قليلة من تسنُّمه السلطة، عاد السودان فجأة، هذا البلد المسكون بالخراب، إلى لسان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مع منح قضيته أهمية خاصة، وتأكيد على السعي الجاد لإنهاء أزمته وإطفاء نيران الدمار. فما هي تلك الأهمية التي يمثلها السودان لـ"السياسة الترامبية"، وهل بالإمكان فعليًا التدخل في الشأن السوداني وفقًا لمعطيات هذه السياسة؟


الملح

الملح في حروب جبال النوبة‎

في حروب جبال النوبة لم تكتب كل الوقائع في الوثائق، ولم تقع جميعها ضمن حبر الباحثين والكتاب، فكثير من الأحداث الكبرى ظل محفوظًا في الذاكرة الشفاهية،


استقلال السودان

في الذكرى الـ"70" للاستقلال.. ماذا فعلنا بالبلاد؟

أطلت قبل أيام الذكرى السبعين للاستقلال المجيد؛ الذي جاء ثمرة كفاح طويل وسعي حثيث للتحرر الوطني من ربقة الاستعمار الإنجليزي، قُدِّمت في سبيله الأرواح


الجزار

فَرَّار الجزار

قبل الحرب بأشهر قليلة، التقيت الجزار موسى الضي، وبعدها هجر زاويته المعهودة عند "استوب" شقلبان في شارع الثورة بالنص، مثله مثل كل الوجوه

المعادن في السودان- التعدين.jpg
أخبار

مصرع 6 وإصابة أكثر من 10 في انهيار آبار تعدين بجنوب كردفان

لقي 6 معدنين مصرعهم، وأُصيب أكثر من 10 آخرين، اليوم الجمعة 23 يناير 2026، في انهيار آبار للتعدين الأهلي عن الذهب في محلية أبو جبيهة بولاية جنوب كردفان.

الهلال ضد ماميلودي صن داونز
أخبار

الهلال يقتلع نقطة تعادل ثمينة من ماميلودي صن داونز في بريتوريا

تمكن فريق الكرة بنادي الهلال السوداني من العودة بنقطة تعادل ثمينة من خصمه الصعب ماميلودي صن داونز الجنوب إفريقي، في المباراة المقامة ضمن مواجهات الجولة الثالثة في دوري أبطال إفريقيا.


قارب مهاجرين في البحر الأبيض المتوسط
مجتمع

هجرة السودانيين من ليبيا إلى اليونان.. السجن على طرفي البحر الأبيض المتوسط

يغادر المهاجرون السودانيون إلى ليبيا مباشرة أو عبر مصر. بعضهم يعمل لجمع المال للرحلة، وآخرون يعتمدون على مدخرات عائلاتهم، في رحلات اتجار بالبشر بالغة الخطورة

المعلمين.jpg
أخبار

لجنة المعلمين السودانيين تنتقد ربط زيادة الأجور بالموازنة

أبدت لجنة المعلمين السودانيين استغرابها لتصريحات وزير المالية جبريل إبراهيم، بشأن شروع المجلس الأعلى للأجور في ترتيبات زيادة مرتبات العاملين بالدولة

الأكثر قراءة

1
اقتصاد

موسم التبضع إلى الجنوب: كيف غيرت الحرب في جنوب كردفان طرق التجارة ومصادر السلع؟


2
أخبار

يونيسف: 8 ملايين طفل خارج المدارس في السودان


3
أخبار

رحيل صلاح الدين الفاضل.. أحد رواد الإذاعة السودانية ومبدعيها


4
اقتصاد

وزير المالية: الميزانية الطارئة بداية مرحلة من البناء والتعافي في السودان


5
أخبار

مصادر لـ "الترا سودان": إزالة 10 ألغام أرضية في مناطق متفرقة بجنوب كردفان