ultracheck
اقتصاد

مدينة الإنتاج الحيواني بالقضارف.. اختبار أول للوزير المثير للجدل

7 نوفمبر 2025
المنصوري
وزير الثروة الحيوانية والسمكية، البروفيسور أحمد التجاني المنصوري (مجلس السيادة)
الفاتح محمد
الفاتح محمدكاتب من السودان

أعلن وزير الثروة الحيوانية والسمكية، البروفيسور أحمد التجاني المنصوري، في 22 تشرين الأول/أكتوبر، لدى زيارته لولاية القضارف، عن خطة طموحة لإنشاء مدن متكاملة للإنتاج الحيواني في عدد من الولايات، من بينها ولاية القضارف كافتتاحية، بهدف نقل القطاع من نمط الإنتاج التقليدي إلى صناعة حديثة تعتمد على التقنيات العلمية المتقدمة في الألبان واللحوم وبرامج التسمين.

وبرز المنصوري في المشهد الوزاري السوداني بعد تعيينه وزيرًا للثروة الحيوانية والسمكية في تموز/يوليو 2025، عقب مسيرة أكاديمية ومهنية امتدت من جامعة الخرطوم، حيث نال بكالوريوس الطب البيطري عام 1979 وتخصص في طب التوليد والإنتاج الحيواني، ثم عمل في جامعات ومؤسسات بحثية، قبل أن يتولى مناصب إدارية بارزة في شركات خليجية.

أحمد شموخ لـ"الترا سودان": تعيين المنصوري في هذا التوقيت المتوتر سياسيًا كان خطوة إشكالية بامتياز

وتعتمد فكرة "مدينة الإنتاج الحيواني" على إنشاء مجمعات متكاملة تشمل مزارع للتسمين، ومراكز لتجميع الألبان، ووحدات لمعالجة المنتجات الحيوانية، ومعامل بيطرية، وسلاسل تبريد ونقل وتصدير، بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي ورفع الصادرات الحيوانية.

جدل التعيين

في الوقت الذي تمر فيه العلاقات السودانية الإماراتية بأحد أكثر مراحلها توترًا، بعد أن وصفت الخرطوم أبوظبي رسميًا بـ"دولة عدوان" تدعم "مليشيا متهمة بارتكاب جرائم إبادة وتهجير قسري" في أيار/مايو 2025، أثار تعيين البروفيسور أحمد التجاني المنصوري وزيرًا للثروة الحيوانية والسمكية جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية.

ويرى محللون أن هذه الخطوة جاءت في توقيت شديد الحساسية، إذ إن المنصوري عمل في قطاعات اقتصادية تعتبرها أبوظبي جزءًا من أمنها الاستراتيجي، أبرزها شركة "الروابي" للألبان، التي تعد من أكبر المؤسسات ذات الصلة بالمجال الغذائي الحيوي. ويشير مراقبون إلى أن الإمارات لا تفصل عادةً بين ما هو حكومي وما هو خاص، ولا تسمح للأجانب بالوجود في قطاعات حساسة دون ضمان الولاء الكامل لمنظومة الحكم.

ويقول الكاتب والمحلل السياسي أحمد شموخ، في حديث لـ"الترا سودان"، إن "تعيين المنصوري في هذا التوقيت المتوتر سياسيًا كان خطوة إشكالية بامتياز"، مضيفًا أن "الرجل لم يكن مجرد مدير أو مستثمر في بيئة تجارية عادية، بل عمل داخل قطاع استراتيجي في دولة لا تفصل بين الاقتصاد والسلطة".

ويضيف شموخ متسائلًا: "كيف يمكن لشخص ارتبط بمؤسسات اقتصادية سيادية في الإمارات، وما يزال يحتفظ بإقامته ومصالحه التي تراكمت على مدى أكثر من ثلاثة عقود هناك، أن يتولى حقيبة وزارية في دولة تخوض معركة وجود ضد الجهة نفسها؟".

تذكر تقارير إعلامية أن المنصوري كان قد انتقد علنًا تصريحات عضو مجلس السيادة الفريق أول ياسر العطا ضد الإمارات واعتبرها "مستعجلة"، كما امتدح أبوظبي

وفي السياق، تذكر تقارير إعلامية أن المنصوري كان قد انتقد علنًا تصريحات عضو مجلس السيادة الفريق أول ياسر العطا ضد الإمارات واعتبرها "مستعجلة"، كما امتدح أبوظبي قائلًا إنها "تحب السودانيين"، وهو ما اعتبره مراقبون سلوكًا سياسيًا يزيد من الشكوك بدلًا من تبديدها.

ويرى شموخ أن "الثقة العامة تقوم على وضوح الاصطفاف الوطني، خصوصًا في ظرف تخوض فيه البلاد مواجهة مفتوحة مع مشروع إقليمي يستهدف تفكيك الدولة وإضعاف مؤسساتها عبر دعم مليشيا ومرتزقة وتسليح وتغطية سياسية". ويضيف أن "تعيين شخصية كانت جزءًا من منظومة اقتصادية إماراتية مرتبطة مباشرة بمراكز القرار هناك، دون أن تعلن موقفًا واضحًا يدعم الدولة السودانية في مواجهة هذا العدوان، يفتح باب الريبة لا الثقة".

وتثير تحركات الوزير الحالية في مناطق مثل نهر النيل والفشقة المخاوف من إعادة إحياء مشاريع إماراتية مثيرة للجدل، كانت قد سعت أبوظبي عبرها إلى توسيع نفوذها الاقتصادي والجغرافي في السودان قبل اندلاع الحرب. وتشمل هذه المشاريع محاولات لإنشاء ميناء في "أبو عمامة" ومشروعًا زراعيًا وتصنيعيًا ضخمًا قرب البحر الأحمر، وهي مشاريع واجهت اعتراضًا واسعًا داخل البلاد آنذاك.

كما تُطرح تساؤلات حول استمرار ارتباط الوزير بمصالحه في الإمارات، واحتمال تأثير ذلك على استقلال قراراته في الملفات الاستثمارية والسيادية الحساسة.

ويضيف شموخ أن “هذا التداخل الجغرافي والسياسي لا يمكن تجاهله أو التعامل معه كصدفة”، متسائلًا: “هل استأذن الوزير السلطات الإماراتية قبل قبول المنصب حتى يضمن قدرته على العودة إلى دبي حيث يحتفظ بإقامته ومصالحه؟ وكيف سيُعامل عند عودته؟ هل سيواجه ما واجهه دبلوماسيون سودانيون أهانتهم أبوظبي وطردتهم وفتشتهم؟”، مشيرًا إلى أن “هذه ليست أسئلة شكلية، بل تمس مباشرة معنى السيادة وكرامة الدولة ومسؤولها”.

وفي ختام حديثه، يشدد شموخ على أن “الإمارات دولة لا تعرف الفصل بين الاقتصاد والسلطة؛ فالقطاع الخاص جزء من أدوات الدولة ونفوذها”، مؤكدًا أن “أي مشروع في السودان يشرف عليه وزير بهذه الخلفية سيظل خاضعًا لتساؤلات حول مدى استقلاليته عن أجندة أبوظبي”، ويختم بالقول إن “هذا ليس تشكيكًا مجانيًا، بل واجب وطني لحماية موارد السودان ومساره الاقتصادي خلال لحظة تاريخية حساسة ومصيرية”.

تحديات التنفيذ

وفي الصدد، يرى الباحث في الاقتصاد السياسي والسياسات العامة صالح مصطفى، في حديثه لـ"الترا سودان"، أن “المبادرة رغم طموحها، تصطدم بعقبات تجعلها أقرب إلى التصريحات منها إلى الواقع التنفيذي”. ويضيف أن المشروع الذي يهدف إلى “إحداث نقلة نوعية في القطاع الحيواني من خلال تحسين الإنتاج وزيادة جودة المنتجات السودانية”، يواجه تحديات تتجاوز الجوانب الفنية والاقتصادية، أبرزها الوضع الأمني المعقد واتساع رقعة النزاع، مما يصعّب تأمين استثمارات كبيرة في مشروعات ضخمة كهذه.

وفي السياق، يعاني الاقتصاد السوداني من انكماش حاد وصعوبة في تأمين التمويل اللازم، بينما يظل غياب البيئة المستقرة عاملًا يثني المستثمرين عن دخول السوق. ويؤكد مصطفى أن “ارتفاع تكاليف التشغيل وتدمير قطاع الطاقة يضاعف التحديات أمام تنفيذ أي مشروع حيوي، خاصة أن سلاسل الإنتاج الحيواني تعرضت لتدمير واسع خلال السنوات الماضية، مما يتطلب إعادة بناء البنية التحتية قبل التفكير في مشاريع عملاقة”.

باحث: الأولوية الآن ينبغي أن تُمنح لمشاريع صغيرة أكثر قابلية للتنفيذ، تركّز على دعم المربين المحليين عبر تمويلات ميسرة وتسهيل الوصول إلى الأسواق

ويرى مصطفى أن “الأولوية الآن ينبغي أن تُمنح لمشاريع صغيرة أكثر قابلية للتنفيذ، تركّز على دعم المربين المحليين عبر تمويلات ميسرة وتسهيل الوصول إلى الأسواق”، داعيًا إلى “تعزيز التعاون مع المنظمات الدولية والدول المجاورة لتجاوز العقبات الراهنة”.

والجدير بالذكر أن نجاح المبادرة لا يعتمد فقط على ضخامة المشاريع، بل على تبني نهج تنموي متكامل يقوم على سياسات عامة منسقة وواقعية، حيث يشدد مصطفى: “أي خطة تنموية، سواء في قطاع الثروة الحيوانية أو غيره، يجب أن تنطلق من رؤية شاملة تربط بين السياسات الاقتصادية والأمن الغذائي وإدارة الموارد الطبيعية والطاقة والنقل، حتى لا تتحول المشروعات إلى جهود معزولة بلا أثر استراتيجي”.

وفي السياق، يوضح الباحث أن المطلوب اليوم هو “إعادة صياغة السياسات العامة بصورة تصحيحية تعالج التحديات القديمة وتتكيف مع المستجدات التي أفرزتها الحرب”، مضيفًا أن التعامل مع الوضع الحالي “يتطلب واقعية وخطوات صغيرة ومستدامة تتماشى مع التحديات الاقتصادية والأمنية الراهنة”.

وانخفضت صادرات الثروة الحيوانية إلى نحو 204 ملايين دولار في النصف الأول من 2025، مقارنة بـ323 مليون دولار في 2024 و383 مليون دولار في 2022، بحسب الموجز الإحصائي للتجارة الخارجية لبنك السودان المركزي.

ويأتي هذا التراجع في ظل تدهور المؤشرات الاقتصادية العامة، حيث أظهر تقرير الجهاز المركزي للإحصاء لشهر أيلول/سبتمبر 2025 ارتفاع معدل التضخم السنوي إلى 83.47%، مع تفاوت كبير بين الولايات؛ إذ سجلت شمال دارفور 338.8% مقابل 12.9% في شرق دارفور، ما يعكس التحديات الكبيرة التي تواجه أي مشروع إنتاج حيواني على أرض الواقع.

الكلمات المفتاحية

دقيق في جنوب كردفان

موسم التبضع إلى الجنوب: كيف غيرت الحرب في جنوب كردفان طرق التجارة ومصادر السلع؟

الآن تأتي الشاحنات من اتجاه آخر، من دولة جنوب السودان، محملة بالسكر الجنوبي السوداني والزيت والدقيق والملابس، وحتى الأدوية


جبريل إبراهيم - حركة العدل والمساواة.jpg

وزير المالية: الميزانية الطارئة بداية مرحلة من البناء والتعافي في السودان

أكد وزير المالية جبريل إبراهيم أن الميزانية الطارئة للعام 2026، التي أجازها مجلسا السيادة والوزراء، تمثل بداية مرحلة جديدة من البناء والتعافي في السودان.


عملة سودانية

بعد تسريبات إنشاء "بنك المستقبل".. مصرفيون: السيادة والاعتراف الدولي عقبات أمام  "حكومة تأسيس"


دولار - اقتصاد.jpg

سباق "الرسمي والموازي": بنوك سودانية ترفع سعر الصرف ومخاوف من قفزة جنونية للدولار

في خطوة يصفها محللون مصرفيون بالمخاطرة، تطابق سعر صرف الدولار الأميركي داخل بعض البنوك السودانية مع السوق الموازي، بل وتجاوزه في بعض الحالات

المعادن في السودان- التعدين.jpg
أخبار

مصرع 6 وإصابة أكثر من 10 في انهيار آبار تعدين بجنوب كردفان

لقي 6 معدنين مصرعهم، وأُصيب أكثر من 10 آخرين، اليوم الجمعة 23 يناير 2026، في انهيار آبار للتعدين الأهلي عن الذهب في محلية أبو جبيهة بولاية جنوب كردفان.

الهلال ضد ماميلودي صن داونز
أخبار

الهلال يقتلع نقطة تعادل ثمينة من ماميلودي صن داونز في بريتوريا

تمكن فريق الكرة بنادي الهلال السوداني من العودة بنقطة تعادل ثمينة من خصمه الصعب ماميلودي صن داونز الجنوب إفريقي، في المباراة المقامة ضمن مواجهات الجولة الثالثة في دوري أبطال إفريقيا.


قارب مهاجرين في البحر الأبيض المتوسط
مجتمع

هجرة السودانيين من ليبيا إلى اليونان.. السجن على طرفي البحر الأبيض المتوسط

يغادر المهاجرون السودانيون إلى ليبيا مباشرة أو عبر مصر. بعضهم يعمل لجمع المال للرحلة، وآخرون يعتمدون على مدخرات عائلاتهم، في رحلات اتجار بالبشر بالغة الخطورة

المعلمين.jpg
أخبار

لجنة المعلمين السودانيين تنتقد ربط زيادة الأجور بالموازنة

أبدت لجنة المعلمين السودانيين استغرابها لتصريحات وزير المالية جبريل إبراهيم، بشأن شروع المجلس الأعلى للأجور في ترتيبات زيادة مرتبات العاملين بالدولة

الأكثر قراءة

1
اقتصاد

موسم التبضع إلى الجنوب: كيف غيرت الحرب في جنوب كردفان طرق التجارة ومصادر السلع؟


2
أخبار

يونيسف: 8 ملايين طفل خارج المدارس في السودان


3
أخبار

رحيل صلاح الدين الفاضل.. أحد رواد الإذاعة السودانية ومبدعيها


4
اقتصاد

وزير المالية: الميزانية الطارئة بداية مرحلة من البناء والتعافي في السودان


5
أخبار

مصادر لـ "الترا سودان": إزالة 10 ألغام أرضية في مناطق متفرقة بجنوب كردفان