ultracheck
رأي

مسعد بولس والإمارات.. التلويح بفزاعة الإسلاميين للهيمنة على السودان

24 فبراير 2026
مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية، مسعد بولس
كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس في فعالية نظمها صندوق السودان الإنساني في معهد السلام بواشنطن العاصمة، في 3 فبراير 2026. (صورة: أليكس وروبليوسكي / وكالة فرانس برس عبر غيتي إيميجز)
عامر صالح
عامر صالح كاتب وصحفي من السودان

في وقت قدمت فيه لجنة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة تقريرًا يكشف عن دلائل على ما وصفتها بـ"الإبادة الجماعية" التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في مدينة الفاشر، واصل مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية، مسعد بولس في حديثه أمام مجلس الأمن الدولي في الجلسة التي عُقدت بتاريخ 19 فبراير 2026، التلويح بـ"فزاعة الإسلاميين" التي استُخدمت منذ اندلاع الحرب السودانية لفرض واقع التقسيم وسلب السيادة، دون الإجابة عن أسئلة الحرب الأكثر إلحاحًا، مثل مصير الدعم السريع وقادتها، فضلًا عن مساءلة "العدوان الخارجي" الذي ألهب ظهور السودانيين، وشرد من لم يُبد منهم في مشارق الأرض ومغاربها.

مسعد بولس جدد في إفادته الإشارة إلى "الخطوط الحمراء" للإدارة الأميركية في السودان، تلك التي تتعلق بالإخوان المسلمين، الذين قال إنهم يحاولون التغلغل في الدولة السودانية والتدخل في الصراع القائم منذ أبريل 2023. ولكن هذه "التهمة" التي كررها كثيرًا، لا ينكرها السودانيون، وعلى رأسهم رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان، الذي صرح في أكثر من مناسبة بأن الإسلاميين، مثلهم مثل جميع السودانيين الذين استجابوا للاستنفار العام للدفاع عن النفس والعرض، يقاتلون مع القوات المسلحة وتحت إمرتها.

الدور الإسلامي في السودان يبدو ثانويًا مقارنة بالجماعات المسلحة الأخرى على كثرتها وقوة شوكتها، أما "التهديد الإرهابي" المفترض يضمحل أمام الفظائع المتحققة

لقد كانت حرب أبريل، منذ اللحظة الأولى لاندلاعها، "حرب سرديات" بين حق قوات الدعم السريع في الاستيلاء على السلطة بقوة السلاح، ملوحة بالفزاعة نفسها المتمثلة في الإسلاميين، وواجب الجيش السوداني في الدفاع عن مؤسسات الدولة، التي لم يبقَ منها، في لحظة من لحظات التمدد الواسع للدعم السريع، إلا خطوط عريضة، أبرزها القوات المسلحة نفسها الموصومة بالانقياد للإخوان.

وفي حديثه عن الإسلاميين، يتماهى مسعد بولس مع السردية الإماراتية التي تسمح بها لنفسها بالتدخل في الشأن السوداني وإذكاء نار الحرب ضد الدولة السودانية. تنكر الإمارات العربية المتحدة أي دور لها في السودان، لكنها لا تفوت أي مناسبة لتأكيد روايتها حيال الحرب القائمة في البلاد، مشددة على أنها من فعل "المتطرفين" و"الإسلاميين" الذين يجب محاربتهم وإقصاؤهم لإيقاف القتال.

وقد يُفهم خطاب التحذير من الإسلاميين في سياق سردية إقليمية أوسع تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل، تضع مكافحة الإسلام السياسي في صدارة أولوياتها الأمنية، في ظل مخاوف من حركات المقاومة التي تتصدرها الجماعات الإسلامية للمطامع الاستعمارية النظرية والمتحققة في المنطقة، وعلى رأسها في فلسطين المحتلة. غير أن الدور الإسلامي في السودان يبدو ثانويًا مقارنة بالجماعات المسلحة الأخرى على كثرتها وقوة شوكتها، أما "التهديد الإرهابي" المفترض يضمحل أمام الفظائع المتحققة الواردة في التقرير المذكور أعلاه، الذي ينضاف إلى سلسلة طويلة من التقارير والتحقيقات عن عمليات إبادة جماعية وتطهير عرقي وفظائع لا ترد كثيرًا ضمن خطوط مسعد بولس الحمراء.

ومسعد بولس رجل الأعمال الأميركي من أصول لبنانية، عينه صهره الرئيس الأميركي دونالد ترامب مستشارًا له للانخراط في ملفات الأطماع الأميركية الصريحة في ليبيا والكونغو، وكذلك السودان. وهو مسؤول غير معتمد من قبل مجلس الشيوخ الأميركي، الذي حدد عدد كبير من أعضائه، في أكثر من مناسبة، خطوطهم الحمراء هم أيضًا حيال الوضع في السودان، تلك المتعلقة بتزويد الإمارات لقوات الدعم السريع بالسلاح الذي يُستخدم لإبادة الأبرياء.

ومن الواضح تنازع مسعد بولس نفسه، مثل الإدارة الأميركية، بين السرديات الكثيرة في حرب السودان؛ فهو يقول إنه لا يساوي "بين الحكومة السودانية وطرف النزاع الآخر"، وفي الوقت ذاته يجاهد لوضع القوات المسلحة والدعم السريع كطرفين متقابلين على طاولة مفاوضات لا تضع الاعتبار لسردية "عدالة معركة الكرامة" التي يقودها الجيش الوطني ضد مجموعات شبه عسكرية تعتمد بالكامل على دعم دولة أجنبية خارج مفاهيم السيادة والشرعية، تلك التي تنبع من القوانين والأعراف الدولية، التي ما تزال تسمح للحكومة السودانية بتمثيل البلاد في جميع المحافل، بينما يظل قادة الدعم السريع متخفين ومتنقلين سرًا بين الدول، إلى درجة إيمان قطاعات كبيرة من الشعب السوداني، ولفترة طويلة من عمر الحرب، بموت زعيم الدعم السريع محمد حمدان دقلو.

يمكن قراءة إشارات بولس المتكررة للإسلاميين، كمحاولة لصناعة نقطة مركزية تجمع الفرقاء، وتساعد في الهروب إلى الأمام من الأسئلة الملحة في النقاش السوداني

وعلى الرغم من محاولات التشويش المتواصلة بفزاعة الإسلاميين، فقد أسقطت التحقيقات الصحفية الموثقة والتقارير الأممية، وحتى لجان مجلس الشيوخ الأميركي، ورقة التوت عن طبيعة الحرب السودانية؛ فهي، كما يسميها مجلس الأمن والدفاع السوداني، "حرب عدوان إماراتي على وحدة وسيادة البلاد"، وهو ما تحاول أبوظبي ومسعد بولس تغييبه بالحديث عن الإخوان، والدفع بخارطة طريق الرباعية التي تفرض عمليًا تقسيم البلاد بتكريس الوضع القائم، لتمنح الشرعية لقوات الدعم السريع التي صارت ذراعًا لعدوان أجنبي يطمح لصناعة وضع ليبي أو يمني، تحطم على صخرة عدالة قضية السودان، وأكملت تعريته جرائم "المليشيا".

ومنذ الأسابيع الأولى لاندلاع الحرب، اتفق الجيش السوداني وقوات الدعم السريع على نقاط محددة في منبر جدة المدعوم من الولايات المتحدة، وبعد نحو ثلاثة أعوام، ما تزل الحكومة السودانية تتمسك بروح تلك النقاط، بما في ذلك إخلاء الدعم السريع للأعيان المدنية، مضيفة في مبادرتها لسلام السودان الأهداف النهائية للحرب القائمة، بنزع سلاح "المليشيا المتمردة" وفق سردية الجيش، وتجميع منسوبيها في مناطق خارج المدن التي ما تزال تسيطر عليها.

وتنخرط الإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة الأميركية، مع المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية، ضمن ما يُعرف بالآلية الرباعية الدولية بشأن السودان، وهي آلية تتصدع بشدة في ظل رفض الحكومة السودانية لوجود الإمارات فيها باعتبارها طرفًا في الحرب، وانحياز مصر والسعودية للشرعية القائمة في البلاد، بينما تتنازع الولايات المتحدة في تخبطها بين الفصيلين. ويقف مسعد بولس كوتر مشدود بين حلفاء بلاده، ليبدو كشخص بسلطة محدودة يحاول التوفيق بين التناقضات الإقليمية شديدة التعقيد، في وقت تنشق فيه الآلية أحيانًا وتلتئم وفق التوازنات الصعبة لقضية السودان الشائكة؛ فيطلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من الرئيس دونالد ترامب التدخل في حرب السودان، بينما تضع مصر هي الأخرى خطوطها الحمراء، مؤكدة على وحدة وسيادة السودان ودعم "مؤسسات الدولة الشرعية"، باعتبار أن أمنها القومي مرتبط بشكل مباشر بأمن البلاد.

في ظل هذه التناقضات، يمكن قراءة إشارات بولس المتكررة للإسلاميين، كمحاولة لصناعة نقطة مركزية تجمع الفرقاء، وتساعد في الهروب إلى الأمام من الأسئلة الملحة في النقاش السوداني، ما يعني استمرار المرارات والضغائن التي يحملها الملايين الذين شردهم وأفقرهم ما يمكن أن يطلق عليه "التدافع الاستعماري" على السودان في لحظة ما بعد الثورة.

كما إن ترتيب الأولويات في هذا النقاش وفق محددات بولس والإمارات، يغفل التباينات الواضحة في الموقع القانوني والسياسي  لكل طرف من أطراف الحرب، ما يثير التساؤلات حول الإطار الذي يُعاد من خلاله تعريف الشرعية والسيادة في الحالة السودانية، لا سيما في ظل التقارير الموثقة للدعم الإماراتي المستمر للدعم السريع، ومقارنته مع التعاون المستند على الشرعية والسيادة حال حدوثه، بين السودان وإيران ومصر وتركيا، أو أي دولة أخرى في هذا السياق.

هذه منطلقات بديهية قد لا تغيب عن رجل الأعمال السابق، ولكن إشاراته المتكررة وكل السرديات التي لا تضع يدها على الجرح السوداني، تحاول بطبيعة الحال إعادة توجيه الانتباه بعيدًا عن قضايا السيادة الوطنية ومسؤولية الفاعلين الخارجيين، نحو سردية تبرر اختطاف الواقع السوداني لصالح مكافحة تهديدات محتملة، و"رجال قش" في ميدان الخطابات المحتدم للحرب السودانية.

بينما تحوم "أشباح الأيدلوجيا" في أروقة الخطاب الدولي، يبقى الواقع الدموي القائم في السودان اليوم مشتبكًا مع أسئلة العدالة والمحاسبة ووحدة الدولة وسيادة القانون

وبينما تحوم "أشباح الأيدلوجيا" في أروقة الخطاب الدولي، يبقى الواقع الدموي القائم في السودان اليوم مشتبكًا مع أسئلة العدالة والمحاسبة ووحدة الدولة وسيادة القانون، وهي الأسئلة التي تفرض نفسها على السودانيين أصحاب الدم والأرض، وهي ما سيبقى حاضرًا في وجدانهم، مهما تعددت محاولات صرف الأنظار أو إعادة ترتيب الأولويات وفق مصالح وتوجهات الخارج.

ووفق هذه القراءة، لا يبدو الحديث المتكرر عن الإسلاميين في خطاب مسعد بولس وقبله الإمارت، حول قضية السودان، كتشخيص لحل الأزمة، أكثر منه محاولة لحرف النقاش. ولكن المأساة التي يعيشها السودانيون اليوم تتصل أولًا بالسيادة المنتهكة لهذا البلد الجريح، وبقوة السلاح المنفلت الذي حطم المدن وشرد الملايين، وبالدور الخارجي الذي ما يزال حاضرًا في تفاصيل الحرب ومساراتها، مهما تعددت محاولات الالتفاف عليها بسرديات كسيحة تكشف فيما تكشف عن أطماع استعمارية وإصرار متغطرس على الهيمنة، لا عن تضامن إنساني مع الشعب السوداني، أو فهم صحيح لعقدة هذه الحرب التي يطيل أمدها نفس الخطاب المغرض المنحاز.
 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

الكلمات المفتاحية

امرأة بالتوب السوداني - آثار دنقلا العجوز.jpg

الأمومة بين العولمة وغربة الذات

الإنسان هذا الكائن الاجتماعي المعقد، الهارب من الوحدة منذ لحظة الخليقة الأولى، الباحث عن أنس روحه وسكينتها في غيره، تلك هي فطرته، كما هي فطرة الكواكب أن تدور في فلك! بعد آدم وحواء دار كل إنسان في فلك البحث عن سكينة روحه وطمأنينتها في غيره، وكان أول غيرٍ عرفه هو "أمه"!


الخرطوم

أمّ الحروب السودانية: إنذار لم يُقرأ

لسنوات طويلة، تعامل السودانيون مع حرب الجنوب كما لو أنها جزء من طبيعة الأشياء؛ حدثٌ دائم لا يستدعي الدهشة ولا يوقظ الضمير.


عبد الله حمدوك

مؤتمر برلين والمجتمع المدني السوداني.. من يمثل من؟

ما يختلف هذه المرة هو أن الجدل حول قوائم المدعوين بلغ ذروته قبل انعقاد المؤتمر، وكشف بشكل صريح عن سؤال لم تحسمه الدورتان السابقتان: من يمثل المجتمع المدني السوداني في هذه المحافل؟ ولأي غاية؟


امتحانات الشهادة السودانية

امتحانات الشهادة في السودان.. أزمة معقدة وحلول صعبة

لم تنفصل قضية التعليم في السودان عن الحرب الدائرة منذ ثلاث سنوات بين الجيش وقوات الدعم السريع وحلفائهما المسلحين

جانب-من-لقاء-الهلال-والمريخ-أرشيفية.jpg
أخبار

صدام قانوني يلوح في الأفق.. المريخ يفتح ملف لاعبي الهلال المجنسين

فجر نادي المريخ، قبل وصول بعثته إلى السودان قادمة من رواندا، بعد إقامة امتدت قرابة تسعة أشهر للمشاركة في دوري النخبة، واحدًا من أخطر ملفات الموسم، بعدما تقدم بطعون رسمية استهدفت عددًا من كشوفات الأندية، يتقدمها الطعن المرتبط بلاعبي الهلال الأجانب ووضعهم القانوني في ملف التجنيس.

مياه الشرب الخرطوم.jpg
أخبار

أزمة مياه في أحياء بالخرطوم بسبب انقطاع الكهرباء

شكا سكان عدة أحياء في ولاية الخرطوم من أزمة مياه حادة، بسبب برمجة انقطاع التيار الكهربائي لفترات تصل إلى 12 ساعة يوميًا، مما أدى إلى توقف مضخات المياه، واعتماد الأهالي على عربات الكارو لشراء المياه بأسعار مرتفعة.


مسيرة صينية
أخبار

غرفة طوارئ: قصف جوي في كرنوي يوقع قتلى مدنيين ويدمر شاحنات

أكدت غرفة الطوارئ بمحلية كرنوي بولاية شمال دارفور وقوع ضحايا من المدنيين، ونفوق أعداد كبيرة من الماشية، إثر هجوم صاروخي نفذته طائرة مسيرة، اليوم الثلاثاء 12 مايو الجاري، استهدف سوق المدينة ومنطقة "بئر صالح".

الأمم المتحدة - اللاجئين - اللاجئات .jpg
مجتمع

توطين لاجئين سودانيين في كندا.. البحث عن الحياة مرة ثانية

يبدو أن السفر إلى كندا والولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي بات يمثل حلم اللاجئين السودانيين الذين توزعوا بين دول الجوار، في ظل شح فرص العمل وارتفاع تكلفة التعليم بمختلف مراحله. ومع ذلك، تصطدم هذه الآمال بالعقبات البيروقراطية، وصعود التيارات اليمينية المعادية لسياسات استقبال المهاجرين في بعض البلدان.

الأكثر قراءة

1
أخبار

السافنا يهاجم قيادة الدعم السريع: لا قضية لهم والصراع "صراع مصالح"


2
أخبار

غرفة طوارئ: مقتل مواطن أثناء عملية نهب نفذتها قوات الدعم السريع بغرب كردفان


3
أخبار

الجيش السوداني يشن غارات على الضعين والجنينة في دارفور


4
أخبار

مسعد بولس: ناقشنا مع إثيوبيا الجهود الدولية لتسهيل هدنة إنسانية وتحقيق سلام دائم بالسودان


5
اقتصاد

السودان.. زيادة جديدة في التعرفة الجمركية واقتصاديون يحذرون من "الدائرة الجهنمية"