هل حان وقت العودة إلى الخرطوم؟
2 فبراير 2026
في أبريل 2023، وقبيل اندلاع الحرب، كنت أعمل مع آخرين على بلورة فكرة عن مشروع جريء للعدالة الانتقالية في السودان، لو قُدر له أن يبلغ غاياته لحقق اختراقًا حقيقيًا في ملف العدالة، ولكن شاءت الأقدار أن تندلع حرب 15 أبريل قبل اكتمال خطة المشروع والبدء في تنفيذه، انطلاقًا من الخرطوم التي تحولت في لحظة تاريخية معينة إلى مركز للنزاع ومسرح للأحداث الدامية.
في المشروع، كنا نخطط لجولة ميدانية في قرى ومدن السودان المختلفة، نستمع فيها إلى تصورات الضحايا عن العدالة، ونفهم آلامهم، مستهدفين على وجه الدقة مناطق الانتهاكات والجرائم الجسيمة التي حدثت في تاريخ السودان الحديث، من شماله إلى جنوبه، مرورًا بوسطه وشرقه وغربه، عبر خريطة مفصلة لتوزيع الانتهاكات في جغرافيا السودان الممتدة، لكي نخلص إلى أرشيف ضخم من أصوات الضحايا الذين ينبغي، في آخر الأمر، أن يكونوا في جوهر المشروع ومسألة العدالة الانتقالية.
ما دام النزاع مستمرًا، والقوات المسلحة السودانية ليست الجهة الوحيدة المحتكرة للسلاح، مع تكاثر المليشيات العرقية والمناطقية والتمسك بالولاءات القبلية، فلا يمكن ضمان ألا يحدث ما حدث مجددًا
كان هذا آخر عهدي بالخرطوم التي خرجت منها مُرغمًا، المدينة التي طالما احتوتنا تفاصيلها الجميلة التي لا تفرق بين أطياف السودان المختلفة. اليوم، وبعد قرابة ثلاث سنوات من اندلاع الحرب، ساقني الحنين، كآلاف السودانيين في دول اللجوء ومعسكرات النزوح، بعد أن شاهدت عبر وسائل التواصل الاجتماعي مقطع فيديو لطائرة الناقل الوطني "سودانير" القادمة من بورتسودان، وهي تحط الرحال بمدرج مطار الخرطوم الدولي، كأول طائرة نقل مدنية، وعبر رحلة مجدولة، تهبط بالمطار منذ اندلاع الحرب.
هذا حدث استثنائي، وينبغي توثيقه على أكمل وجه، إن لم يكن على سبيل الواجب والوفاء لما تم تقديمه من تضحيات لجعله ممكنًا، فعلى الأقل لحفظ الذكرى كلحظة إنسانية مؤثرة تفاعل معها الملايين من السودانيين، حق لهم أن يفخروا ويفرحوا بها، وأن تثير فيهم حنين العودة إلى الخرطوم التي نالت نصيبها من الآلام والانتهاكات طوال فترة الحرب.
لكن للعودة متطلبات وحسابات مختلفة تتجاوز الحنين والمسائل العاطفية، وأجدها مناسبة لطرح الأسئلة الصعبة التي تساعد في اتخاذ القرار لمن هم بالعودة إلى الخرطوم. هل يوجد الأمن الكافي في الخرطوم، وغابت أشكال التهديد؟ هل توفرت الشروط المعيشية اللازمة؟ هل يحق لنا أن نطرح سؤال العدالة كحق مشروع وشرط عودة؟ ما الضمانات اللازمة لعدم تكرار ما حدث مرة أخرى؟
أمنيًا، ورغم الجهود المبذولة من السلطات في هذا الصدد، يصعب جدًا الجزم بأن الوضع آمن بالكامل؛ فانتشار السلاح في أيدي مختلف المليشيات، وتعدد مراكز القرار الأمني، وتداخل السلطات بحيث يصعب تحديد الحد الفاصل بينها، إلى جانب الإجراءات الأمنية التي فرضتها حرب أبريل، والتي تُقيد بالضرورة حرية المواطنين مقارنة بالظروف الطبيعية، يفرض واقعًا جديدًا قد لا يكون مناسبًا للبعض. وهنا يأتي دور التأقلم، والذي لا يعني الاستقرار بطبيعة الحال.
إضافة إلى ذلك، هناك التهديد الأكبر، وهو الحرب المستمرة. ألا ينبغي إيقاف الحرب أولًا وإزالة مسبباتها قبل دعوة الناس للعودة؟ أم أن العودة خيار شخصي لا يمكن وضع شروط مسبقة لتحقيقه؟ ماذا عن قوات الدعم السريع التي تتمركز على بعد أقل من 250 كيلومترًا في طريق الصادرات غرب أم درمان؟ هل زال التهديد كليًا؟ جميعها أسئلة مشروعة لا ينبغي التقليل من أهميتها أو استبساطها، ومن حق السودانيين الحصول على إجابات واضحة.
وفي السياق، يجدر القول إنه ما دام النزاع مستمرًا، والقوات المسلحة السودانية ليست الجهة الوحيدة المحتكرة للسلاح، مع تكاثر المليشيات العرقية والمناطقية والتمسك بالولاءات القبلية، فلا يمكن ضمان ألا يحدث ما حدث مجددًا، وألا تتكرر تجربة الدعم السريع. لذلك، فإن الحديث عن الملف الأمني يُعد من الأولويات الخاصة بملف العودة.
وفي موازاة ذلك، نجد الوضع المعيشي الحالي في الخرطوم، وفرص العمل، والوضع الاقتصادي المنهار أصلًا في السودان، مع تزايد التضخم وارتفاع الأسعار، إلى جانب الضرر الكبير الذي لحق بالمدارس والأسواق والمستشفيات والبنية التحتية، التي لم تكن بأفضل حال قبل اندلاع الحرب. ورغم جهود الإصلاح المبذولة، لا تزال الأوضاع بعيدة عن التوقعات، ويجب معرفة ذلك بوضوح لمن يريد العودة.
صحيح أن أوضاع النزوح أرهقت الناس، وأن خيار العودة أصبح واقعيًا للعديد منهم، إلا أنه يجب دراسة الأوضاع جيدًا قبل اتخاذ أي قرار بالعودة. ومنظر طائرة الخطوط الجوية السودانية في الأول من فبراير 2026 بمطار الخرطوم هو عودة جزئية، وخطوة أولى في طريق طويل وشاق، وعبارة عن حجر أساس في مشروع كبير يمكن البناء عليه، ولكن يجب تناوله في سياقه دون تضخيم.
وفي سياق آخر، نجد العدالة الغائب الحاضر وسط ضجيج الحرب. كيف يمكن أن نعود من دون محاسبة الجناة أو إنصاف الضحايا؟ هل ما حدث في الخرطوم أمر قابل للنسيان و"عفا الله عما سلف"؟ أليس من حقنا، على الأقل، الحصول على اعتراف في سياق عدالة انتقالية؟ ماذا عن الشرخ الاجتماعي الذي حدث بسبب حرب أبريل؟ هل يمكن معالجته دون الحديث عن العدالة؟
وفي اعتقادي، يمكن الحديث عن العدالة الانتقالية، على وجه الخصوص، كقضية محورية في الدعوة لوقف الحرب وبناء السلام، ولا ينبغي بأي حال من الأحوال الانتظار أو تأجيل الحديث عنها لما بعد نهاية النزاع؛ لأنها، بشكل ما، وفي شقها الموضوعي، يمكن أن تنبع من داخلها خارطة طريق لإنهاء الحرب ومعالجة جذورها التاريخية. وحتى مسألة تعدد الجيوش، وهي جوهر عملية السلام، يمكن حلها عبر تفكيك هذه المليشيات واحتكار العنف في يد القوات المسلحة من خلال إجراءات الإصلاح المؤسسي، وهي إحدى الركائز الأربع الخاصة بالعدالة الانتقالية، إلى جانب الحقيقة، وجبر الضرر، والمساءلة الجنائية.
فحين كنا نخطط لمشروع العدالة الانتقالية أطلقنا عليه اصطلاحًا "التعامل مع الماضي". اليوم، أصبح حاضر الحرب ماضيًا ثقيلًا ومستمرًا، ولتجاوزه نحو واقع أفضل، يجب علينا التعامل معه واستخلاص الدروس والعبر منه، لكي نشتري مستقبلًا يليق بتضحيات السودانيين.
كيف يمكن أن نحول هذا الفرح إلى طاقة لبناء مشروع دولة يضع العدالة في مركزه، وهموم الناس وتكاليف المعيشة في مقدمته، وأمنهم مسؤولية الدولة
وبالعودة إلى فرحة السودانيين بهبوط طائرة سودانير، فليس من الجيد التقليل منها أو الانتقاص من قيمتها؛ فالأمل يحرك الشعوب، والنهضة الشاملة تحتاج إلى إلهام وروح متفائلة. صحيح أن الحرب لم تنتهِ بعد، وأن حوالي ثلث مساحة السودان تعاني من الويلات، إلا أن أول الغيث قطرة، وما كان أمس مستحيلًا صار اليوم ممكنًا.
لذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال: لماذا تفرحون بهبوط طائرة؟ وإنما: كيف يمكن أن نحول هذا الفرح إلى طاقة لبناء مشروع دولة يضع العدالة في مركزه، وهموم الناس وتكاليف المعيشة في مقدمته، وأمنهم مسؤولية الدولة التي يجب، بطبيعة الحال، أن تحتكر العنف وتوفر شروط الرفاه.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية
الأمومة بين العولمة وغربة الذات
الإنسان هذا الكائن الاجتماعي المعقد، الهارب من الوحدة منذ لحظة الخليقة الأولى، الباحث عن أنس روحه وسكينتها في غيره، تلك هي فطرته، كما هي فطرة الكواكب أن تدور في فلك! بعد آدم وحواء دار كل إنسان في فلك البحث عن سكينة روحه وطمأنينتها في غيره، وكان أول غيرٍ عرفه هو "أمه"!
أمّ الحروب السودانية: إنذار لم يُقرأ
لسنوات طويلة، تعامل السودانيون مع حرب الجنوب كما لو أنها جزء من طبيعة الأشياء؛ حدثٌ دائم لا يستدعي الدهشة ولا يوقظ الضمير.
مؤتمر برلين والمجتمع المدني السوداني.. من يمثل من؟
ما يختلف هذه المرة هو أن الجدل حول قوائم المدعوين بلغ ذروته قبل انعقاد المؤتمر، وكشف بشكل صريح عن سؤال لم تحسمه الدورتان السابقتان: من يمثل المجتمع المدني السوداني في هذه المحافل؟ ولأي غاية؟
صدام قانوني يلوح في الأفق.. المريخ يفتح ملف لاعبي الهلال المجنسين
فجر نادي المريخ، قبل وصول بعثته إلى السودان قادمة من رواندا، بعد إقامة امتدت قرابة تسعة أشهر للمشاركة في دوري النخبة، واحدًا من أخطر ملفات الموسم، بعدما تقدم بطعون رسمية استهدفت عددًا من كشوفات الأندية، يتقدمها الطعن المرتبط بلاعبي الهلال الأجانب ووضعهم القانوني في ملف التجنيس.
أزمة مياه في أحياء بالخرطوم بسبب انقطاع الكهرباء
شكا سكان عدة أحياء في ولاية الخرطوم من أزمة مياه حادة، بسبب برمجة انقطاع التيار الكهربائي لفترات تصل إلى 12 ساعة يوميًا، مما أدى إلى توقف مضخات المياه، واعتماد الأهالي على عربات الكارو لشراء المياه بأسعار مرتفعة.
غرفة طوارئ: قصف جوي في كرنوي يوقع قتلى مدنيين ويدمر شاحنات
أكدت غرفة الطوارئ بمحلية كرنوي بولاية شمال دارفور وقوع ضحايا من المدنيين، ونفوق أعداد كبيرة من الماشية، إثر هجوم صاروخي نفذته طائرة مسيرة، اليوم الثلاثاء 12 مايو الجاري، استهدف سوق المدينة ومنطقة "بئر صالح".
توطين لاجئين سودانيين في كندا.. البحث عن الحياة مرة ثانية
يبدو أن السفر إلى كندا والولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي بات يمثل حلم اللاجئين السودانيين الذين توزعوا بين دول الجوار، في ظل شح فرص العمل وارتفاع تكلفة التعليم بمختلف مراحله. ومع ذلك، تصطدم هذه الآمال بالعقبات البيروقراطية، وصعود التيارات اليمينية المعادية لسياسات استقبال المهاجرين في بعض البلدان.