وماذا عن دقلو؟
14 نوفمبر 2025
أثارت ردة فعل المهندس خالد عمر يوسف في لقائه بإحدى القنوات التلفزيونية عند سؤاله و"ماذا عن دقلو؟" عقب حديثه عن وزير المالية جبريل ابراهيم - أثارت ردات فعل عديدة، ساخرة من تلجلجه في الإجابة، وإصداره لأصوات غير مفهومة قبل أن يتمالك نفسه، ليجيب أخيرًا بصوت مفهوم وواضح.
لكن المدهش أنه لم يتحدث عن محمد حمدان دقلو كما سألت المذيعة، كما تحدث بفصاحة عن جبريل ابراهيم كونه إسلامي وأحد المستفيدين من الحرب، بل أدار مقود الحديث ليتكلم عن الدعم السريع وأنه صنيعة النظام السابق وعن علاقته بالجيش، وحُظي حديث خالد عمر يوسف بسخرية هائلة، ليذهب كلامه في اتجاه دعم قوى الحرية والتغيير سابقًا -صمود حاليًا- لمليشيا الدعم السريع، وهو الاتهام الذي يلاحق القوى السياسية التي شاركت في حكومة الفترة الانتقالية.
لعثمة خالد عمر يوسف في إجابة سؤال "وماذا عن دقلو؟" لا تنفصل عن موقف القوى السياسية وقياداتها التي شاركت في الثورة على النظام السابق وحكومة الفترة الانتقالية
أثر هذه الاتهامات والمواقف التي ظلت قيادات القوى السياسية تتخذها في مجمل الأزمات الوطنية التي مر بها السودان أنها تجعل السودانيين يزهدون في التغيير السياسي، حيث يستقر في ذهن المواطن أن القوى السياسية تركض خلف مصالحها هي لا مصلحته هو، وليس بعيد عن الأذهان أن النظام السابق استثمر في تناقضات مواقف القوى السياسية والخيارات التي ذهبت إليها ومواقفها ليطيل من أمد بقائه عبر تدمير خيار البديل السياسي وطرحه عبر صورة مخاتلة: هي من هو البديل، في نظام اجتماعي لا يعترف بالتجريد؟ لأن البديل دائمًا لديه هو شخصيات، لا مشاريع، فاستقر في الذاكرة الجمعية أنه هل نتعب لنطيح بالبشير ليأتي المهدي أو الميرغني؟ أكثر الشخصيات السياسية التي ظلت موجودة في المشهد السياسي السوداني منذ استقلاله. وقد عملت الآلة الإعلامية الانقاذية على تدمير صورة البديل وشكله عبر عرض تناقضات المواقف السياسية للقيادات السودانية. حتى أنها استعانت بذات هذه الشخصيات في وقتٍ ما لوأد مشروع التغيير الديمقراطي وقطع أية آمال يمكن أن يعقدها الناس على رحيل الإنقاذ عبر اتفاق سياسي منحت الحزب الاتحادي الديمقراطي بموجبه بعض المناصب، وأدخلت بعض الأحزاب المصنوعة، وحيَّدت بعض الشخصيات الأخرى عبر اتفاقات سرية منحتهم بموجبها أموالًا وتساهيل تجارية وشراكات لتبقى الإنقاذ على سدة الحكم لأكثر من ثلاثة عقود.
لعثمة خالد عمر يوسف في إجابة سؤال "وماذا عن دقلو؟" لا تنفصل عن موقف القوى السياسية وقياداتها التي شاركت في الثورة على النظام السابق وحكومة الفترة الانتقالية، حيث أخذ كثير من الناس عليهم مشاركتهم لذات القوى التي ظلت تحارب الثورة، عبر تسوية سياسية بينهم واللجنة الأمنية التي كوَّنها الرئيس المخلوع عمر البشير لحماية النظام من السقوط، وعبر مواقف كثيرة حتى الإطاحة بحكومة الفترة الانتقالية في انقلاب 25 اكتوبر 2021 ومن ثم قيام الحرب في 15 أبريل 2023، ورفع هذه القوى السياسية التي انتقلت من اسم "قوى الحرية والتغيير إلى تقدم"، التي انقسمت بدورها فذهب فريقٌ منهم إلى دعم مليشيا الدعم السريع، ومنهم الناطق الرسمي السابق لتقدم دكتور علاء نقد الذي يعمل حاليًا وزيرًا للصحة فيما سُمي بحكومة تأسيس التي تكونت في مناطق سيطرة مليشيا الدعم السريع برئاسة محمد حمدان دقلو قائد المليشيا نفسه.
شعار لا للحرب الذي طرحته القوى السياسية والمدنية، أصبح مثار سخرية لكثير من السودانيين الذين ذاقوا الأمَّرين من مليشيا الدعم السريع التي قتلت ونهبت بيوت المواطنين
شعار لا للحرب الذي طرحته القوى السياسية والمدنية، أصبح مثار سخرية لكثير من السودانيين الذين ذاقوا الأمَّرين من مليشيا الدعم السريع التي قتلت ونهبت بيوت المواطنين في الخرطوم وأم درمان وبحري ومدني وكافة القرى والمناطق التي وصلتها هذه المليشيا التي روَّعت السودان قاطبة وأرسلت مسيَّراتها لتحطم ما تبقى من البنية التحتية في المناطق التي لم تصلها الحرب. ينظر السودانيون إلى هذه المليشيا وجرائمها ويرون أن شعار لا للحرب التي ترفعه القوى السياسية والمدنية لا يقيهم شرور هذه المليشيا بل إنه بمثابة استسلام لهذه المليشيا التي أبصروا جرائمها الموثقة بأيدي جنودها ومقاتليها أنفسهم؛ فكيف تحميهم لا للحرب منهم؟ كيف يصبح رفض الحرب خيارًا بينما لم يستشرهم أحد لدى قيامها ولم يستشرهم أحد عندما دخلت بيوتهم وسرقت أحبابهم وممتلكاتهم؟ لذلك بات في حكم المؤكد لديهم أن هذا الشعار محض تواطؤ مع المليشيا التي تقتلهم وتسرقهم وتنوي السيطرة على بلادهم تمهيدًا لتسليمها وتسليم خيراتها للأعداء بمساعدة قوى إقليمية ودولية.
خطر هذا السلوك الذي انتهجته قيادات هذه القوى السياسية وتحالفاتها أنه سيلقي بظلال سالبة على مشروع التغيير الديمقراطي في المستقبل القريب، بل وسيصيب أية تحركات مدنية تقوم بها أية جهة بشوائب الشك والظن مما يمهِّد إلى حكم دكتاتوري قابض يستمر طويلًا وطويلًا جدًا، ويئد أية مبادرات شعبية أو مدنية للمساهمة أو المشاركة في التغيير منذ بدايتها، وهذا ما لا تنتبه له هذه القيادات في سعيها المحموم للعودة إلى السلطة عبر رافعة المجتمع الدولي والإقليمي، متناسين تمامًا أنهم أتوا إلى الحكم عبر ثورة شعبية فوَّضهم عبرها الثوار للوصول إلى الحكم، وأن هذا التفويض ليس أبديًا، بل رهين مواقفهم وانحيازاتهم لمصالح الثورة والثوار والشعب السوداني.
مخاطر سلوك المهندس خالد عمر يوسف ورفاقه في قيادات القوى السياسية أنهم يؤكدون مزاعم الثورة المضادة في أن التغيير السياسي والثوري دائمًا سيكون نكبة على الشعب
بعد انقلاب 25 أكتوبر تطابقت رؤى قوى الحرية والتغيير وقياداتها مع مليشيا الدعم السريع فيما يخص الاتفاق الإطاري الذي كان يكفل لهم العودة إلى السلطة عبر ذلك الاتفاق الذي كانت تشرف عليه بعثة الأمم المتحدة بقيادة فولكر بيرتس، وقام الاتفاق الإطاري بالعديد من الورش لكن لم يوقع قائد الجيش على النسخة الختامية منه، وحسبما راج أن ورشة الإصلاح الأمني والعسكري قالت بأن يتم دمج مليشيا الدعم السريع في القوات المسلحة على مراحل زمنية تصل إلى عشر سنوات. رفضت قيادة القوات المسلحة ذلك، بل ورفضت الاتفاق الإطاري بالكامل، وعند قيام الحرب قال قائد مليشيا الدعم السريع في أحد لقاءاته في الأيام الأولى للحرب أنه "لا مشكلة لديه مع البرهان غير الإطاري"، ويظهر هذا التصريح مدى تعويل دقلو على الاتفاق الإطاري الذي يمنحه ما يحتاجه للاحتفاظ بقواته.
مخاطر سلوك المهندس خالد عمر يوسف ورفاقه في قيادات القوى السياسية أنهم يؤكدون مزاعم الثورة المضادة في أن التغيير السياسي والثوري دائمًا سيكون نكبة على الشعب، وأن السياسيين لا يذهبون إلا نحو مصالحهم الشخصية والحزبية؛ ولذلك ربما سيتأخر التغيير القادم لسنوات مضاعفة عن العقود الثلاثة التي استمرت فيها الإنقاذ في حكم السودان.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية

الترامبية والسودان.. هل تستخدم أميركا أوراق نفوذها لإطفاء حرب السودان؟
بعد أشهر قليلة من تسنُّمه السلطة، عاد السودان فجأة، هذا البلد المسكون بالخراب، إلى لسان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مع منح قضيته أهمية خاصة، وتأكيد على السعي الجاد لإنهاء أزمته وإطفاء نيران الدمار. فما هي تلك الأهمية التي يمثلها السودان لـ"السياسة الترامبية"، وهل بالإمكان فعليًا التدخل في الشأن السوداني وفقًا لمعطيات هذه السياسة؟

الملح في حروب جبال النوبة
في حروب جبال النوبة لم تكتب كل الوقائع في الوثائق، ولم تقع جميعها ضمن حبر الباحثين والكتاب، فكثير من الأحداث الكبرى ظل محفوظًا في الذاكرة الشفاهية،

في الذكرى الـ"70" للاستقلال.. ماذا فعلنا بالبلاد؟
أطلت قبل أيام الذكرى السبعين للاستقلال المجيد؛ الذي جاء ثمرة كفاح طويل وسعي حثيث للتحرر الوطني من ربقة الاستعمار الإنجليزي، قُدِّمت في سبيله الأرواح

مصرع 6 وإصابة أكثر من 10 في انهيار آبار تعدين بجنوب كردفان
لقي 6 معدنين مصرعهم، وأُصيب أكثر من 10 آخرين، اليوم الجمعة 23 يناير 2026، في انهيار آبار للتعدين الأهلي عن الذهب في محلية أبو جبيهة بولاية جنوب كردفان.

الهلال يقتلع نقطة تعادل ثمينة من ماميلودي صن داونز في بريتوريا
تمكن فريق الكرة بنادي الهلال السوداني من العودة بنقطة تعادل ثمينة من خصمه الصعب ماميلودي صن داونز الجنوب إفريقي، في المباراة المقامة ضمن مواجهات الجولة الثالثة في دوري أبطال إفريقيا.

هجرة السودانيين من ليبيا إلى اليونان.. السجن على طرفي البحر الأبيض المتوسط
يغادر المهاجرون السودانيون إلى ليبيا مباشرة أو عبر مصر. بعضهم يعمل لجمع المال للرحلة، وآخرون يعتمدون على مدخرات عائلاتهم، في رحلات اتجار بالبشر بالغة الخطورة

لجنة المعلمين السودانيين تنتقد ربط زيادة الأجور بالموازنة
أبدت لجنة المعلمين السودانيين استغرابها لتصريحات وزير المالية جبريل إبراهيم، بشأن شروع المجلس الأعلى للأجور في ترتيبات زيادة مرتبات العاملين بالدولة

