21-سبتمبر-2023
عملية دفن جثث في أحد أحياء الخرطوم

لم تصل العديد من الجثث إلى المقابر ودفنت داخل الأحياء (Getty)

مع حرب يصفها المتطوعون في غرف الطوارئ بـ"الفوضوية" بين الجيش والدعم السريع، وبعد أكثر من خمسة أشهر من المعارك العسكرية الطاحنة، يمكن إحصاء مئات الوفيات التي لم تدفن في المقابر –خاصةً في العاصمة الخرطوم– بل دفنت في فناء المنزل أو الساحات العامة أو في الشارع أمام عتبة المنزل في ظل انعدام الممرات الآمنة.

عادت الحرب بالسودانيين إلى إحياء روايات قديمة عن دفن الموتى داخل المنازل ولكن هذه المرة قسريًا تحت زخات الرصاص

وكان المتحدث الإعلامي السابق باسم جمعية الهلال الأحمر السوداني قد تحدث إلى "الترا سودان" بعد مرور شهر على اندلاع الحرب، قائلًا إن عدم وجود ممرات آمنة يمنع الوصول إلى الجثث وسط الخرطوم، لافتًا إلى أنها بقيت هناك حتى وصلت إلى مرحلة التحلل.

وتقول نهاد وهي تقيم في أحد أحياء أم درمان القديمة إن العديد من السكان دفنوا موتاهم في الساحات العامة أو الشوارع أو حتى في فناء المنزل لتجنب الذهاب إلى المقابر، نتيجة المخاطر الأمنية العالية وعدم سماح قوات الدعم السريع المنتشرة في هذه الأحياء بذلك.

توضح نهاد: "لا يمكن حمل النعش إلى المقبرة. يتعين على ذوي الميت البحث عن مدفن في المنزل". "عندما تقرر الذهاب إلى المقابر المعروفة وسط الأحياء في العاصمة الخرطوم، فأنت تبالغ في عدم تقديرك للمخاطر الأمنية" – أضافت نهاد.

https://t.me/ultrasudan

ومن أوائل الموتى الذين دفنوا بهذه الطريقة أحد طلاب الدراسات العليا في كلية الهندسة بجامعة الخرطوم؛ إذ قرر نحو (15) عالق، عقب وفاته خلال حصارهم في الجامعة في منتصف نيسان/أبريل الماضي – قرروا دفنه داخل الجامعة.

ربما كانت فكرة دفن الموتى داخل المنازل فكرة تقليدية يفضلها السودانيون مع طقوس معينة قبل عقود – حسب الروايات الشعبية  المتداولة، لكن لم يخطر على بال السودانيين أن ذلك العهد الغابر سيعود، ولكن الدفن سيكون قسريًا هذه المرة.

ليست هناك إحصائيات دقيقة عن الجثث التي تحللت أو قبرت في الساحات العامة والمنازل والمرافق العامة منذ بداية القتال حتى الآن، لكن إحصائيات غير رسمية تشير إلى أنها تخطت حاجز الثلاثة آلاف جثة، ما بين جثث تحللت أو دفنت داخل الأحياء.

يقول أحمد حسان وهو عامل إنساني في منظمة وطنية إن إعلان جدة الموقع عليه بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في 11 أيار/مايو الماضي نص على معايير لحماية المدنيين، ومن بينها الممرات الآمنة، لكن الطرفين لم يلتزما بها، حتى وإن أبدى الجيش استعدادًا لذلك في بعض الفترات فإن الثقة غير متوفرة في قوات الدعم السريع – حسب إفادته لـ"الترا سودان".

جثتان في أحد المستشفيات
قضى العديد من المدنيين نحبهم في المرافق الصحية ولم يتمكن المتطوعون من دفنهم في المقابر المخصصة (Getty)

ومن بين الحوادث التي اضطر فيها متطوعون إلى دفن موتى داخل فناء منزل، عملية دفن شقيقتين في حي العمارات شرقي الخرطوم في أيار/مايو الماضي، حيث عثر عليهما مقتولتين على يد مجهولين خلال الحرب. واضطر أطباء ومتطوعون إلى دفن الجثتين داخل فناء المنزل. ومع أن هذه الخطوة أثارت الرأي العام وقتها، لكن مع اتساع نطاق الحرب وتحولها إلى "معارك شبه يومية" أصبح دفن الموتى في المنازل أو في مواقع غير مخصصة للدفن لا يثير دهشة السودانيين كثيرًا.

وإزاء المعلومات المتداولة عن نهش الكلاب لبعض الجثث في شوارع العاصمة الخرطوم والجنينة ونيالا –وهي أكثر مدن شهدت انعدامًا للممرات الآمنة– تبدو عملية دفن الموتى في المنازل "أفضل حالًا" من التحلل على قارعة الطرق، خاصة الضحايا المدنيين جراء العمليات الحربية.