19-أكتوبر-2021

(المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات)

الترا سودان | فريق التحرير

أصدرت وحدة الدراسات السياسية بالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ورقة جديدة بعنوان "مستقبل العلاقة بين المدنيين والعسكريين وتحديات المرحلة الانتقالية في السودان"، تناقش أهم التحديات التي تواجه الفترة الانتقالية المتعثرة في السودان، والعلاقة بين المكونين العسكري والمدني بالحكومة الانتقالية التي تولت زمام الأمور بالبلاد في العام 2019، عقب مفاوضات ماراثونية بين المكونين تخللها فض الاعتصام وسقوط العشرات من الشهداء بالعاصمة والولايات.

وقدمت الورقة فذلكة ضافية لتاريخ العلاقة المضطربة بين المكون العسكري والمدني منذ التوقيع على الوثيقة الدستورية، فيما أشارت لتفاقم حدة الخلافات بين المكونين المدني والعسكري في مجلس السيادة عقب تمرد لواء سلاح المدرعات الشهر الماضي، الذي وصفته السلطات بأنه محاولة انقلابية. وسط مخاوف من محاولة العسكريين إسقاط الحكومة التنفيذية والاستئثار بالحكم، مع اقتراب موعد تسليم رئاسة المجلس السيادي للمدنيين وفقًا للوثيقة الدستورية.

رغم أنه كان ينبغي أن يقود الاتفاق الذي تناول كل تفاصيل المرحلة الانتقالية إلى انتقال سَلسٍ، فإن الشكوك طبعت العلاقة بين المكونين المدني والعسكري منذ البداية

وكانت قوى إعلان الحرية والتغيير، التي قادت الحراك الثوري، قد توصلت إلى اتفاق مع المجلس العسكري الانتقالي، الذي تولى مسؤولية الحكم بعد إطاحة البشير، حول "وثيقة دستورية" لإدارة المرحلة الانتقالية. وبناءً عليه، تشكل "مجلس السيادة"، في آب/ أغسطس 2019 وأسندت إليه مسؤولية إدارة البلاد لمدة (39) شهرًا بالتشارك بين المدنيين والعسكريين على أن يتم تبادل الرئاسة بين العسكريين والمدنيين بأن ترأس شخصية عسكرية المجلس لـ(21) شهرًا، ثم يتولى المدنيون رئاسة بقية الفترة. فيما تم تمديد الفترة الانتقالية بعد توقيع الحكومة السودانية اتفاق سلام السودان لتنتهي في كانون الثاني/ يناير 2024، على أن يستلم المكون المدني السلطة في نيسان/ أبريل 2022. 

اقرأ/ي أيضًا: أسبوع حافل ينتظر السودانيين.. هل تتبدل المعادلة السياسية للانتقال؟

كما نصّت الوثيقة الدستورية على تشكيل مجلس للوزراء، تقترح "الحرية والتغيير" رئيسه (وسُمِّي عبد الله حمدوك للمنصب) على أن يعين هو حكومة لا تتجاوز عضويتها (20) وزيرًا، يعتمدهم مجلس السيادة. وتشمل مهمات مجلس الوزراء كل الصلاحيات التنفيذية، إضافةً إلى صلاحيات مشتركة مع مجلس السيادة، بما فيها صلاحية التشريع. 

ورغم أنه كان ينبغي أن يقود الاتفاق إلى انتقال سَلسٍ، فإن الشكوك طبعت العلاقة بين المكونين المدني والعسكري منذ البداية، في ضوء مَيل العسكريين إلى التمسك بالسلطة، خصوصًا بعد فض اعتصام القيادة العامة، حيث اعتقد المجلس العسكري الانتقالي أن فض الاعتصام سوف يؤدي إلى تجريد قوى الحرية والتغيير من أداة الضغط الرئيسة التي تملكها؛ ومن ثم يسهل إملاء شروطه عليها بشأن إدارة المرحلة الانتقالية. لكن الاتحاد الأفريقي، الذي أمهل المجلس العسكري (60) يومًا لتسليم الحكم للمدنيين، ولوّح بتعليق عضوية السودان إنْ لم يتمّ ذلك، ردَّ على عملية فض الاعتصام بإعلان التعليق؛ ما مثَّل ضربةً قوية للمجلس العسكري.

وأشارت ورقة المركز العربي لحدثين مهمين يكشفان اضطراب العلاقة بين المكونين المدني والعسكري بالحكومة الانتقالية. تمثَّل الحدث الأول في خطاب رئيس الوزراء عبد الله حمدوك إلى الأمين العام للأمم المتحدة، من دون التنسيق مع المكون العسكري، والذي طلب فيه إرسال بعثة أممية تحت البند السادس من الميثاق، لمساعدة السلطة الانتقالية في السودان في دفع عملية السلام، وإعادة بناء قدرات قوات الشرطة، وإعادة توطين النازحين، ونزع السلاح، بعد توقيع اتفاق السلام مع الجماعات المسلحة، على أن تشمل ولايتها كامل أراضي السودان. حيث فسرت هذه الخطوة حينها بأنها التفاف على مجلس السيادة الذي عد الطلب استقواءً بالأمم المتحدة.  حيث آلت الأمور في آخر الأمر بتكليف رئيس الوزراء، بكتابة خطاب جديد إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أُرسل في 27 شباط/ فبراير 2020، وركّز الطلب المعدّل على أن تشمل مهمة البعثة الأممية تحقيق السلام ودعم الاقتصاد وعودة النازحين والإعداد للانتخابات القادمة. وهي الرسالة التي أقرها مجلس الأمن الدولي، مؤكدًا ضرورة حماية المكاسب الديمقراطية وتجنب العودة إلى الحرب. أما الحدث الثاني الذي أظهر الشكوك المتبادلة فكان إجازة الكونغرس الأميركي في كانون الثاني/ يناير 2021 "قانون التحول الديمقراطي في السودان والمحاسبة والشفافية المالية". وقد جاء القانون، الذي وقف خلفه ناشطون سودانيون، داعمًا للمدنيين مُلوّحًا بفرض عقوبات إذا لم يسلّم العسكريون رئاسة مجلس السيادة إلى المدنيين بعد انقضاء دورتهم وفقًا للوثيقة الدستورية.

لذلك لم يكن الخلاف الحاد بين المكونات عقب إحباط تمرد لواء المدرعات الشهر الماضي مفاجئًا، حيث تبادل الطرفان بالأخص بمجلس السيادة الاتهامات. وقد دفعت الأزمة مجلس الوزراء إلى التأكيد على أهمية تقييم الفترة الماضية بشفافية ووضوح وبذل المزيد من الجهد لتوحيد قوى الثورة وتمتين الشراكة بين العسكريين والمدنيين. فيما اتهم البرهان في خطاب له، القوى السياسية بالانشغال بالصراع على السلطة والمناصب، ما أسهم في وقوع المحاولة الانقلابية. وشدد على أن المؤسسة العسكرية لن تترك جهة واحدة تتحكم في مصير البلاد، وسار الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي)، نائب رئيس مجلس السيادة، وقائد قوات الدعم السريع، على نهج البرهان في مهاجمة المدنيين، وتأكيد مسؤوليتهم في الفشل.

اقرأ/ي أيضًا: "الديسمبريون".. طريق ثالث لإعادة الأمل في الثورة السودانية

وفي رده على تصريحات البرهان ودقلو، صرّح عضو مجلس السيادة محمد الفكي سليمان، في مقابلة مع التلفزيون الرسمي، بأنّ ما يدور في الساحة السياسة يرمي إلى تغيير المعادلة السياسية من قبل العسكريين، مشيرًا إلى أن حديث البرهان وحميدتي في هذا الخصوص أخطر من محاولات الانقلاب الفاشلة نفسها.

مواقف القوى السياسية من الأزمة

وأشارت الورقة لتباين ردود الفعل بين قوى إعلان الحرية والتغيير المشاركة في الحكومة على تصريحات رئيس مجلس السيادة ونائبه، وكان أكثرها حدّةً تصريحات خالد عمر يوسف وزير شؤون مجلس الوزراء وعضو حزب المؤتمر السوداني؛ إذ قال إنّ البرهان ودقلو تناسيا أن الوضع الأمني هو مسؤولية المكوّن العسكري، وإنّ تصريحاتهما تُعد تهديدًا للتحول الديمقراطي، ونحن جاهزون للمواجهة إذا كان العسكريون لا يرغبون في الشراكة.

الوضع تعقّد بسبب مطالبة مجموعة من القوى السياسية المنشقة عن قوى إعلان الحرية والتغيير من رئيس مجلس السيادة بوقف التعامل مع المجلس المركزي إلى حين توحيد كل القوى السياسية التي أسست التحالف

فيما اتخذ حزب الأمة القومي موقفًا أقل حدّةً، حيث أدان المحاولة الانقلابية وأكّد دعم الفترة الانتقالية والتعاون والحوار بين شركاء العملية السياسية. كما دعت الأمانة العامة للحزب جميع الأطراف إلى "التحلي بالمسؤولية الوطنية والعمل على تجاوز الخلافات والابتعاد عن التكتيكات المضرة التي تتنافى وروح الشراكة". وشكّل الحزب لجنة للتواصل مع الأطراف المختلفة. لكنّ تطورًا طرأ على موقف الحزب لاحقًا؛ إذ صرّح نائب رئيس الحزب المكلف، فضل الله برمة ناصر، بأنه لا مانع لدى الحزب من حَلّ الحكومة، وأنّ هذا الأمر صار مطلبًا رئيسًا للعسكريين، ولا مانع من إعادة تشكيلها وتوسيع قاعدة المشاركة، ولكنْ قبل ذلك يجب الجلوس للنقاش حول الأسباب التي تدفع إلى حلّها.

أما المجلس المركزي لقوى إعلان الحرية والتغيير، فقد اتخذ موقفًا رافضًا لتصريحات المكون العسكري في مجلس السيادة، حيث أكد على أهمية الالتزام بالوثيقة الدستورية، واتفاقية جوبا للسلام، وتسليم رئاسة مجلس السيادة الدورية إلى المدنيين، وتولي الحكومة المدنية مسؤولية الإشراف على الشرطة وجهاز المخابرات العامة، ودعم لجنة إزالة التمكين، وتسليم المطلوبين إلى المحكمة الجنائية الدولية. لكن الوضع تعقّد بسبب اجتماعٍ عُقد في 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2021، وقد ضم مجموعة من الأحزاب والقوى السياسية المنشقة عن قوى إعلان الحرية والتغيير، بما فيها قوى وتنظيمات موقعة على اتفاق جوبا للسلام، إلى جانب أحزاب أخرى. وقد طالبت المجموعة في خطاب مُوجَّه إلى رئيس مجلس السيادة الفريق البرهان، في 4 تشرين الأول/ أكتوبر 2021، بوقف التعامل مع المجلس المركزي لقوى إعلان الحرية والتغيير إلى حين توحيد كل القوى السياسية التي أسست قوى إعلان الحرية والتغيير وقادت التغيير.

فيما سلك الحزب الشيوعي طريقًا ثالثًا رأى فيه أن طبيعة الصراع الذي يدور بين المكونين لا علاقة له بمطالب جماهير الشعب السوداني، وأكد عدم انحيازه إلى أي طرف في هذا الصراع وموقفه الداعي إلى إسقاط الحكومة.

مواقف الأطراف الخارجية

وأشارت الورقة إلى زيارة المبعوث الأميركي للقرن الأفريقي، جيفري فيلتمان، للخرطوم بعد الإعلان عن المحاولة الانقلابية؛ للتعبير عن دعم الإدارة الأميركية للحكومة المدنية في السودان. حيث اجتمع برئيس الوزراء عبد الله حمدوك وأعرب عن إدانة الإدارة الأميركية للمحاولةَ الانقلابية، ودعا شركاء الفترة الانتقالية إلى العمل على إنجاح الانتقال الديمقراطي. فيما لمَّح المتحدث باسم الخارجية الأميركية نيد برايس إلى استخدام العقوبات في حال انتكاس عملية الانتقال في السودان. كما أولت الورقة أهمية خاصة لما أشار إليه فيلتمان في زيارته، وهو الحاجة إلى تطوير رؤية جديدة للأمن القومي السوداني مرتكزة على إصلاح قطاع الأمن تحت سلطة مدنية. وكان وفد أميركي آخر في زيارة للبلاد، في الفترة نفسها، برئاسة مساعد وزير الخارجية الأميركي بالإنابة، براين هانت، حيث قابل عضوَي مجلس السيادة محمد الفكي سليمان ومحمد حسن التعايشي، وأكّد المسؤول الأميركي استمرار الشراكة ودعم الولايات المتحدة لعملية التحول الديمقراطي.

اقرأ/ي أيضًا: مسارات الانتقال في السودان والجزائر تحت مجهر البحث في مؤتمر المركز العربي

في المقابل، أعربت مصر ودولة جنوب السودان عن دعمهما للبرهان وظهر ذلك في المؤتمر الصحفي الذي عقده كلّ من رئيس مصر ورئيس جنوب السودان بعد زيارة رئيس جنوب السودان سلفا كير لمصر في 11 تشرين الأول/أكتوبر 2021؛ إذ أشار هذا الأخير إلى أن السودان يواجه اضطرابات، وأنّ على مصر وجنوب السودان مساعدة السودان ودَعْم البرهان، حتى لا يعود السودان إلى الحرب.

مستقبل العلاقة بين المدنيين والعسكريين

وتواصل التصعيد خلال الأيام الماضية؛ حيث يتمسك البرهان بضرورة حل الحكومة وتوسيع قاعدة المشاركة فيها. وأصدر عدة قرارات كرّست سلطة المكون العسكري وكشفت عن أنه الحاكم الفعلي للبلاد. من ضمنها إجراءات حظر سفر مسؤولي لجنة إزالة التمكين، ومن بينهم عضو مجلس السيادة محمد الفكي سليمان. فيما أشارت تقارير أخرى إلى منع خالد عمر يوسف، وزير شؤون مجلس الوزراء من دخول القيادة العامة للقوات المسلحة. كما وضعت قنوات التلفزيون السودانية والقنوات التابعة للولايات تحت حراسة القوات المسلحة.

الشراكة بين المدنيين والعسكريين تواجه مأزقًا خطيرًا مع توجه العسكريين إلى الاستئثار بحكم البلاد ومحاولة تهميش المكون المدني في مجلس السيادة الانتقالي

وأوضحت الورقة أن العلاقة بين المكونين المدني والعسكري تمرُّ بمنعطف كبير، وأن الشراكة التي بدأت بينهما قبل أكثر من عامين تواجه مأزقًا خطيرًا مع توجه العسكريين إلى الاستئثار بحكم البلاد ومحاولة تهميش المكون المدني في مجلس السيادة الانتقالي. لكنّ تهيّب العسكريين من تحمل المسؤولية الكاملة عن إدارة أزمات البلاد؛ بما فيها أزمة شرق السودان، والأزمة الاقتصادية، فضلًا عن المقاومة التي تبديها القوى المدنية، والضغوط الخارجية، الأميركية خصوصًا، قد تدفع كلّها في اتجاه تسوية يُعاد من خلالها تشكيل الحكومة المدنية على أساس توسيع قاعدة المشاركة، وهذا مطلب تؤيده قوى داخل المجلس المركزي للحرية والتغيير، مع بقاء رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، على الأرجح؛ ذلك أن تغييره سيجلب ضغوطًا خارجية وسيدفع نحو مزيد من الاستقطاب وعدم الاستقرار داخليًّا. لكن حتى لو حصل هذا، فلن يكون له معنى إذا لم يكن جزءًا من عملية الانتقال التي تؤدي في نهاية المطاف إلى عودة العسكريين إلى ثكناتهم وتسليم الحكم لحكومة منتخبة تتولى الحكم فعليًّا، في مقابل تحمل المسؤولية، بدلًا من تحميلها مسؤولية الفشل من دون أن تحظى بصلاحيات الحكم، كما هو الحال الآن؛ وبحيث تتغير بالانتخابات، أو تقاوم بالتوافق بين القوى السياسية، على أنْ يجري كلا الأمرين، التوافق أو تداول السلطة، سلميًّا، وليس بالانقلابات العسكرية.

اقرأ/ي أيضًا

"المدنيون".. الأيادي المغلولة لا تصنع الانتقال

عام على اتفاقية جوبا.. هل ما تزال حمائم السلام تحلق في سماء السودان؟